أرادوا أن يظهر عجز النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بسؤال من هذا النوع ، وتناسوا أن اللّه سبحانه وتعالى هو الفاعل المختار ، الفعال لما يريد ، وأن إنشاءه للكون ، ليس بالسببية أو العلية ، بل أنشأه بإرادته المختارة ، وهذا سؤالهم الذي دل على كفرهم .
قالوا للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « يا محمد ، هذا اللّه خلق الخلق ، فمن خلق اللّه ؟ » فغضب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم حتى انتقع لونه ، ثم ساورهم غضبا لربه .
ولقد كان غضب الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، لأن هذا السؤال كان من اليهود ، وهم أهل كتاب مفروض أنهم يعرفون اللّه سبحانه وتعالى ويعرفون صفاته ، وأنه الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، وأنه الفاعل المختار ، القادر على كل شيء ، وليس فوقه شيء ، وهو مبدع الوجود ، بديع السماوات والأرض .
ولم يقع من العرب مثل هذا السؤال ، فهم كانوا يعرفون أن اللّه سبحانه وتعالى وحده خالق الوجود ، وأنه ليس فوقه أحد ، وإنما شركهم في أنهم كانوا يعبدون مع اللّه الأوثان التي ابتدعوها ، وما أنزل اللّه تعالى بها من سلطان ، فغضب رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، لأن اليهود أهل الكتاب أسفوا في التفكير إلى ما لم ينزل إليه المشركون أهل الأوثان ، وهكذا تذهب اللجاجة في التعصب إلى أن قالوا ما لا يعقلون .
ويقول راوي هذا الخبر ، وهو سعيد بن جبير : فجاءه جبريل عليه السلام ، وهو غضبان أسفا ، فسكنه وقال له : خفض عليك يا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وجاءه بجواب ما سألوه عنه :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
.
كان هذا تنبيها لهم إلى ما أسفوا فيه ، ولكنهم نزلوا مرة ثانية عن مرتبة الوثنيين من العرب ، وظنوا اللّه تعالى مادة كالأحياء ، وتلك بقية من نزعتهم المادية .
قالوا : « فصف يا محمد ، كيف خلقه ؟ ذراعه ، كيف عضده ؟ » .
فغضب رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم كغضبته الأولي ، وساورهم ، فأتاه جبريل الأمين وجاءه بجواب من اللّه سبحانه وتعالى عما سألوه ، وهو قول اللّه سبحانه وتعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
( الزمر - 67 ) .
هذه بعض مجاوبات بين اليهود الذين لا يتقيدون بفكر ولا منطق ولا علم بكتاب ، ولا إيمان باللّه الواحد الأحد ، الفرد الصمد الذي ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، والنبي صلى اللّه تعالى