هاشم ( سنة 464 م )
وكان هاشم كبير قومه ، وكان ذا يسار ، فولي السقاية والرّفادة ، ودعا قومه إلى مثل ما دعاهم إليه قصيّ جده . دعاهم إلى أن يخرج كلّ منهم من ماله ما ينفقه هو في إطعام الحاجّ أثناء الموسم . فزوّار بيت اللّه وحجاجه هم ضيف اللّه وأحق الضيف بالكرامة ضيف اللّه . وكذلك كان يطعم الحاجّ جميعا حتى يصدروا عن مكة .
ازدهار الحياة بمكة
لم يقف أمر هاشم عند هذا ، بل اتصل برّه وكرمه بأهل مكة أنفسهم . أصابتهم سنة « 1 » ، فجاء لهم من الطعام وثرد لهم الثريد بما جعلهم ينظرون من جديد إلى الحياة بوجه باسم . وهاشم هو كذلك الذي سنّ رحلتي الشتاء والصيف : رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام وبهذه المظاهر كلها ازدهرت مكة وسمت مكانتها في أنحاء شبه الجزيرة جميعا ، واعتبرت العاصمة المعترف بها . وطوّع هذا الازدهار لأبناء عبد مناف أن يعقدوا مع جيرانهم معاهدات أمن وسلام : عقد هاشم بنفسه مع الإمبراطورية الرومانية ومع أمير غسّان معاهدة حسن جوار ومودّة وحصل من الإمبراطورية على الإذن لقريش بأن تجوب الشام في أمن وطمأنينة . وعقد عبد شمس معاهدة تجارية مع النجاشي ، كما عقد نوفل والمطّلب حلفا مع فارس ومعاهدة تجارية مع الحميريين في اليمن .
وكذلك ازدادت مكة منعة جاه كما ازدادت يسارا ؛ وبلغ أهلها من المهارة في التجارة أن أصبحوا لا يدانيهم فيها مدان من أهل عصرهم . كانت القوافل تجيء إليها من كل صوب وتصدر عنها في رحلتي الشتاء والصيف .
وكانت الأسواق تنصب فيما حولها لتصريف هذه التجارة فيها ؛ ولذلك مهر أهلها في النسيئة والربا وفي كل ما يتصل بالتجارة من أسباب المعاملات .
وظل هاشم تتقدّم به السنّ وهو في مكانته على رياسة مكة لا يفكر أحد في منافسته ، حتى خيّل لابن أخيه أميّة بن عبد شمس أنه قد بلغ مكانا يسوّغ له هذه المنافسة ، لكنه لم يقدر وغلب على أمره ، وبقي الأمر لهاشم . وترك أميّة مكة إلى الشام عشر سنوات كاملة . وإن هاشما لفي رحلته يوما عائدا من الشام مارّا بيثرب إذ رأى امرأة ذات شرف وحسب تطلّ على قوم يتّجرون لها ؛ تلك سلمى بنت عمرو الخزرجيّة . وقد أعجب هاشم بها ، وسأل : أهي في عصمة رجل ؟ فلما عرف أنها مطلقة وأنها لا ترضى زوجا إلا أن تكون عصمتها بيدها ، خطبها إلى نفسها فرضيت لعلمها بمكانته من قومه . وأقامت معه بمكة زمنا عادت بعده إلى المدينة حيث ولدت له ولدا دعته شيبة ظل في حضانتها بيثرب .
ومات هاشم بعد سنين من ذلك بغزّة أثناء إحدى رحلات الصيف ، فخلفه أخوه المطلب في مناصبه . وكان المطلب أصغر من أخيه عبد شمس ولكنه كان ذا شرف في القوم وفضل . وكانت قريش تسميه « الفيض » لسماحته وفضله . وطبيعيّ ، وذلك مكان المطلب من قومه ، أن تبقى الأمور تسير سيرتها مطمئنة هانئة .
وفكر المطلب يوما في ابن أخيه هاشم ، فذهب إلى يثرب وطلب إلى سلمى أن تدفع إليه الفتى وقد بلغ أشدّه . وأردف المطّلب الفتى على بعيره ودخل به مكة ، فظنته قريش عبدا له جاء به ؛ فتصايحت : عبد المطلب . قال المطلّب ، ويحكم ، إنما هو ابن أخي هاشم قدمت به من يثرب . على أن هذا اللقب غلب على الفتى فدعي به ونسي الناس اسم شيبة الذي دعي به منذ ولد .
عبد المطلب ( سنة 495 م )
وأراد المطلب أن يردّ على ابن أخيه أموال هاشم ، لكن نوفل أبى ووضع يده عليها . فلما اشتد ساعد عبد
هامش
( 1 ) السنة هنا : الجدب .