( أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ . قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ )
« 1 » . وإنما فعل إبراهيم هذا بعد إذ فكّر في ضلال عبادة الأصنام وفيمن تجب له العبادة :
( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
« 2 » .
إبراهيم وسارة بمصر
ولم ينجح إبراهيم في هداية قومه ، بل كان جزاؤه منهم أن ألقوه في النار وأنجاه اللّه منها ، ففرّ إلى فلسطين مستصحبا معه زوجه سارة . ومن فلسطين ارتحل إلى مصر . وبها يومئذ ملوك العماليق ( الهكسوس ) ؛ وكانت سارة جميلة وكان الملوك الهكسوس يأخذون الجميلات المتزوجات ؛ فأظهر إبراهيم أن سارة أخته خشية أن يقتله الملك ليتّخذها له زوجا . وأراد الملك اتخاذها زوجا ، فرأى في المنام أنها ذات بعل ، فردّها إلى إبراهيم بعد أن عاتبه وأعطاه هدايا من بينها جارية تدعى هاجر . ولما كانت سارة قد سلخت السنين الطوال مع إبراهيم ولم تلد ، دفعته ليدخل بهاجر ، فدخل بها ، فلم تبطئ أن ولدت له إسماعيل ، وبعد أن شبّ إسماعيل وترعرع حملت سارة وولدت إسحاق .
يختلف الرواة هاهنا في مسألة إقدام إبراهيم على ذبح إسماعيل والفداء ، وهل كانت قبل ميلاد إسحاق أو بعده ، وهل كانت بفلسطين أو بالحجاز .
وإن مؤرخي اليهود ليذهبون إلى أن الذبيح إنما كان إسحاق لا إسماعيل . وليس ها هنا مقام تمحيص هذا الخلاف . وفي رأي الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجّار في كتاب « قصص الأنبياء » أن الذبيح هو إسماعيل . ودليله من التوراة نفسها أن الذبيح وصف فيها بأنه ابن إبراهيم الوحيد . وكان إسماعيل هو الابن الوحيد إلى أن ولد إسحاق . فلمّا ولدت سارة لم يبق لإبراهيم ابن وحيد أن كان له إسماعيل وإسحاق .
والتسليم بهذه الرواية يقتضي أن تكون قصة الذبح والفداء بفلسطين . وكذلك يكون الأمر إذا كان الذبيح إسحاق ؛ فقد ظل إسحاق مع أمه سارة بفلسطين ولم يذهب إلى الحجاز . فأما الرواية التي تذهب إلى أن الذبح والفداء إنما كانا فوق منى فتجعل الذبيح إسماعيل . ولم يرد في القرآن ذكر لاسم الذبيح مما جعل المؤرخين المسلمين يختلفون فيه .
قصة الفداء في القرآن
وقصة الذبح والفداء أن إبراهيم رأى في منامه أن اللّه يأمره بأن يقدّم ابنه قربانا فيذبحه ؛ فسار وابنه في الصباح ،
( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ )
« 3 » .
القصة في رواية التاريخ
وتصوّر بعض الروايات هذه القصة تصويرا شعريّا تدعونا روعته أن نقصّه هنا وإن لم يقتض الحديث عن
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء آيتا 62 و 64 .
( 2 ) سورة الأنعام الآيات من 76 إلى 79 .
( 3 ) سورة الصافات الآيات من 102 إلى 107 .