جند المسلمين لا يكاد يغلبه غالب ؛ لكنها احتوت كذلك السم الذي يقضي على سلطانه . فمنذ اللحظة التي كفّ فيها خلفاء النبي عن أن يكونوا غزاة فاتحين ، ومنذ أغمدوا سيوفهم بصفة نهائية بدأت العقيدة الجبرية تعمل عملها الهدام ، فقد أرهف السلم أعصاب المسلمين كما أرهفها المتاع الماديّ الذي أباحه القرآن ، والذي يفصل فصلا حاسما بين مبادئه ودين المسيح دين الطهر والإيثار . فصار المسلم ينظر إلى ما يصيبه من بأساء على أنها بعض ما قدر اللّه عليه وما لا مفر منه ، وما يجب الإذعان له واحتماله ، ما دام كل جهد وكل حكمة إنسانية عبثا لا نفع له .
ولم تكن قاعدة « أعن نفسك يعنك اللّه » مما يرى أتباع محمد تنفيذه ، بل كان عكسها نصيبهم . من ثمّ محق الصليب الهلال . وبقاء الهلال إلى اليوم في أوروبا حيث كان يوما ما بالغا غاية القوة إنما يرجع إلى اختيار الدول المسيحية الكبرى ، أو يرجع بالأحرى إلى تنافسها . ولعل الهلال باق ليكون دليلا جديدا على أن « من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ » .
القرآن وإرادة الإنسان في أعماله
هذا كلام واشنجتون إيرفنج . وهو كلام رجل لم تمكنه دراسته من إدراك روح الإسلام وأساس حضارته ، فذهب هذا المذهب الخاطئ في تأويل مسألة القضاء والقدر وكتاب الأجل . ولعل له من العذر أنه وقف في بعض الكتب الإسلامية على ما جعله يذهب هذا المذهب : فأما القرآن فلا تقاس إلى جانب ما ورد فيه عبارة « أعن نفسك يعنك اللّه » ، من حيث القوة في الدعوة إلى التعويل على الذات ، وأن الناس مجزيون بأعمالهم وبالنية التي تصدر هذه الأعمال عنها . قال تعالى :
( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها )
« 1 » . وقال تعالى :
( مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا )
« 2 » . وقال :
( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ )
« 3 » وقال :
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ )
« 4 » .
ومثل هذا في القرآن كثير . وهو صريح في الدلالة على أن إرادة الإنسان وعمله هما مصدر مثوبته وعقابه .
وقد حضّ اللّه الناس أن يسعوا في مناكب الأرض وأن يأكلوا من رزقه ، وأمرهم بالجهاد في سبيله بآيات قوية غاية القوّة تلوث شيئا منها في أثناء هذا الكتاب . وهذا لا يتفق وما يقوله إيرفنج وما يقول بعض رجال الغرب من أن الإسلام دين تواكل وقعود ، وأنه يعلّم أهله أنهم لا يملكون لأنفسهم بعملهم نفعا ولا ضرّا ، فلا فائدة لهم من السعي والإرادة ؛ لأن السعي والإرادة معلّقان بمشيئة اللّه ؛ فإذا سعينا وكان مقدّرا ألا يثمر سعينا لم يثمر ، وإذا لم نسع وكان مقدّرا أن نصبح أغنياء أو أقوياء أو مؤمنين أصبحنا كذلك من غير سعي ولا عمل .
فالآيات التي قدّمنا تناقض هذا الرأي وتنفيه .
القرآن والقضاء والقدر
ألم يعتمد هؤلاء الذين ينسبون تواكل المسلمين في هذه العصور الأخيرة إلى دينهم على ما جاء في القرآن من آيات القدر ، كقوله تعالى :
( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا )
« 5 » . وكقوله :
هامش
( 1 ) سورة يونس آية 108 .
( 2 ) سورة الإسراء آية 15 .
( 3 ) سورة الشورى آية 20 .
( 4 ) سورة الرعد آية 11 .
( 5 ) سورة آل عمران آية 145 .