وقد نقل الفقهاء أن الطاعون غيره فلا تنافي بين أن يكون أحدهما من طعن الجن ويكون الآخر من فساد الهواء ، فإنه نقل عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح إنك قد أسكنت الناس في أرض موبئة فانقلهم إلى الجابية من بلاد حوران ، وبهذا ينحل أيضا الإشكال عن توجه بعض العلماء الأعلام من بلد الوباء إلى بلد آخر خوفا من فساد هوائه ، فإنه قد ورد في الحديث ما يكاد يكون صريحا في منع ذلك ، فيقال الممنوع فيما كان من طعن الجن ، والذي يجوز ما كان من الوباء وفساد طبيعة السنة ، وأيضا فإن الشهادة في الموت من طعن الجن لا من القسم الآخر .
والشيخ كره الوباء ، ونقل أنه مكث بدمشق سبعة أيام وكرّ راجعا إلى مصر ، فلم يفرّ من الطاعون ، وإنما كان فراره من الوباء الذي هو مرض من الأمراض . وما ألطف الجناس التام في قوله وباها وقوله لولا وباها ، والتمام في الكلمة الأولى من حرف العطف . وفي تاه وباهى جناس التصحيف ، وفي قوله رباها ووباها . ورأيت في بعض كتب الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ، أنه لو أودع رجل رجلا غلاما ، وكان في بلدة ليست من بلاد الوباء ، فنقله إلى بلاد الوباء كدمشق وقسطنطينية فمات ، ضمن الغلام لأنه عرضه للموت .
( ن ) : قوله جنة من تاه ، يعني يليق لأهلها أن يفتخروا ويتكبروا لأنها جنة في معمور الدنيا . وقوله وباهى ، يعني أن الساكن بها يباهي الساكن في غيرها من البلاد فيغلبه بالحسن الذي لها ، ويعني بذلك أهلها من الأربعين الأبدال أصحاب المقامات الإلهية والمراتب العرفانية . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأبدال بالشام ، وهم أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل اللّه مكانه رجلا يسقي بهم الغيث ، وينتصر بهم على الأعداء ، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب . رواه الإمام أحمد في مسنده عن عليّ كرّم اللّه وجهه . وقوله لولا وباها قال في الصحاح الوباء يمد ويقصر مرض عام ، وجلق الشأم مشهورة بهذا المرض ، فإنه إذا أصاب البعض أصاب الكل ، كالزكام في الشتاء ، والحميات في الصيف والربيع ، والسعال في الخريف ونحو ذلك . اه .
قيل لي صف بردا كوثرها قلت غال برداها برداها
[ المعنى ]
« قيل » مبني للمجهول . و « صف » فعل أمر من الوصف . و « بردا » نهر كبير بدمشق ، وهو النهر الذي في وسط الميدان الأخضر ، ودمشق لا تنتفع منه بيوتها ، وإنما تنتفع به القرى الواقعة تحته من جانب الغوطة والمرج . واعلم « 1 » أنه يجوز في
هامش
( 1 ) قوله : واعلم الخ . حق العبارة أن يقال واعلم أن بردا مفعول وكوثرها مضاف إليه مجرور -