وقالوا شربت الإثم كلّا وإنّما شربت الّتي في تركها عندي الإثم
[ المعنى ]
أي قال من لم يعرف حقيقة المدام ، وظن الفدم أنها مما يستر بالفدام ، وبالغ في مقاله ولم يدر من شرابي حقيقة حاله « شربت الإثم » قاصدا للمبالغة في الحكم عليها بحقيقة الإثم ، فقلت له ارتدع عن مقالك ، وارجع عن قيلك وقالك فإني ما شربت الإثم ولا تعاطيت محرما لأنها خمرة القوم التي قيل إن في تركها اللوم ، والإفطار عليها هو الصوم ، و « كلّا » هنا حرف ردع وزجر ، أي ارتدع أيها القائل عن دعواك فإني شربت مدامة في تركها الملامة ، وفي شربها الكرامة في الدنيا وفي يوم القيامة . و « التي » عبارة عن الخمرة التي تقصدها الشيخ وأمثاله .
( ن ) : قالوا شربت الإثم ، أي الخمرة المعتصرة من العنب المحرمة شرعا ، وذلك لأنهم يرونه غائبا لا يدرك ما يدركونه من أمور الدنيا وأحوالها لاستغراق بصيرته في مشاهدة حضرة ربه وتمتعه بلذائذ تجليات الوجود الحق وزيادة قربه ، وليس عندهم ما يقتضي ذلك الاستغراق غير الأمور المحرمة كالخمر والحشيشة ونحو ذلك . اه .
هنيئا لأهل الدّير كم سكروا بها وما شربوا منها ولكنّهم همّوا
[ الاعراب والمعنى ]
« الهنىء » العيش الذي يهنىء الرجل ، أي يربو وينفع في البدن . و « اللام » في لأهل الدير للتبيين . و « الدير » مكان النصارى . وقد رأيت كتابا صنف في بيان الديور .
و « كم » هنا للتكتير ، والتمييز محذوف أي كم مرة وكم . منصوبة المحل على المصدرية بدليل التمييز . و « بها » متعلق بسكروا . و « الهاء » للمدامة . « وما شربوا » أي أهل الدير .
« منها » أي من المدامة . « ولكنهم هموا » أي عزموا على الشرب وما شربوا . واعلم أن أهل الدير عبارة عن أرباب المعارف الإلهية ، وأصحاب المحبة الربانية ، والسكر بالمدامة عبارة عن التكيف بكيفية لذتها التي هي وجدان المعرفة الحقيقية ، وقد علمت أن أرباب الأشواق والصادقين من العشاق ماتوا وهم مشتاقون إلى مشاهدة الجمال .
والشيخ رضي اللّه عنه من هذا القبيل إلا أن يكون تبسمه عند مفارقة الدنيا ناشئا عن الوصول إلى إدراك المشاهدة التي هي مطلوبه وذلك عندما أنشد :
أروم وقد طال المدى منك نظرة * وكم من دماء دون مرماي طلت
وتبسم فعند ذلك استدل أهل العرفان أنه أدرك مرامه من الرحمن . واعلم أن « هنيئا » منصوب على أنه حال من محذوف ، أي دام شرابهم هنيئا . واعلم أن كثيرا من أرباب المحبة قد تلاعبوا بذكر الديور في أشعارهم الغرامية . ومن ذلك قول