شراب المحبة الإلهية الناشئة عن شهود آثار الأسماء الجمالية للحضرة العلية فإنها توجب السكر والغيبة بالكلية عن جميع الأعيان الكونية . وقوله سكرنا ، أي غبنا لذة وطربا عن كل ما سوى الحقيقة ، واتصلنا بغيب غيبتنا من ممتد هاتيك الرقيقة . وقوله بها ، أي بتلك الخمرة المذكورة والنشأة المطلقة المحصورة ، وقوله من قبل أن يخلق الكرم ، يعني أن سكره المذكور سابق في الحضرة العلمية قبل ظهور كل مقدور . اه .
لها البدر كأس وهي شمس يديرها هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
[ المعنى ]
هذا البيت عجيب في بابه فإنه مشتمل على ذكر ألفاظ يناسب بعضها بعضا ، وهي البدر والشمس والهلال والنجم وكذلك الكأس والإدارة والمزج . و « البدر » مبتدأ .
و « كأس » خبره ، والتقدير البدر كأس لها . وقيل سمي البدر بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع كأنه يعجلها المغيب . والكأس الإناء يشرب فيه ، أو ما دام الشراب فيه مؤنثة مهموزة جمعه أكؤس وكؤس وكاسات . و « الشمس » الكوكب النهاري العظيم المضيء .
وهو الأوسط في السبعة السيارة ، فوقه ثلاثة وهي زحل والمشتري والمريخ ، وتحته ثلاثة وهي عطارد والزهرة والقمر ، والشمس في الوسط مأخوذ من شمسة القلادة .
ومنهم من يقول البدر عبارة عن العارف الكامل وأكبر العارفين الأنبياء بعد نبينا يراد العارفون من أمته ، والمدامة هي المعرفة الإلهية التي تفيض أنوارها في جميع الكائنات . وأما « الهلال » الذي يديرها فهو المبلغ عن العارف كأصحاب الأنبياء وتلاميذ العارفين . وإذا مزجت المعرفة اللدنية بالمدارك الشرعية الدينية فكم يظهر هناك نور يهتدي به أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . وما أحسن قول الشيخ عبد الرحيم اليمني البرعي حيث يقول :
هم نجوم أشرق الكون بهم * بعد ما كانت نواحيه ظلاما
كل من لم ير فرضا حبهم * فهو في النار وإن صلى وصاما
( ن ) : قوله لها ، أي لتلك المدامة المذكورة من حيث أنها محبة إلهية كما ذكر ، وهي عين المحبة الأزلية ظاهرة في مظاهر الآثار الكونية فشمس بحبهم ظهور نورها في بدر يحبونه من قوله تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : الآية 54 ] وذلك الظاهر عين الباطن . وهو المشرق على جميع المواطن . وهو خمر الوجود الحق والخطاب الصدق شربه كل شيء من الأشياء فظهرت به الظلالات والأفياء ، فهو محبة ينبت كل حبة ، وهو خمر يسكر عقل زيد وعمرو ، وهو وجود يفيض أنواع الكرم والجود ، وهو خطاب كن فيكون تنفصل به كل حركة وسكون ، وهو ذات لقيام الأدوات ، وهو