تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان ابن الفارض — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
« كأنهم ما بيننا في الهوى رسل » ، « ما » زائدة ، ووجه تشبيه العذال بالرسل أن كلا منهما يوجب ذكر الحبيب ليستريح إليه اللبيب . ( ن ) : أشار بقوله وأصبو إلى العذال ، إلى قوله في البيت قبله . ولا أغدو لمن دأبه العذل فكأنه بذلك يرى حكمة الحق تعالى في كل ما يقع من خير أو شر ، وأنه كله منافع للعباد ليترتب عليه مصالحهم في الدنيا والآخرة . وقوله كأنهم الخ . يعني أن اللائمين له على المحبة أشبهت حالتهم في تعنيفهم له على المحبة حالة الرسل الذين ينقلون أخبار المحبوبة إلى محبها ، وأخبار المحب إلى محبوبته ، لأنهم يقولون له أترك حبها فإنه مضرّة لك . وهي تريد ذلك القول منهم لفرط جمالها ودلالها وعزتها ، ويقولون لها أيضا فلان يحبك لتنفر منه وتعرض عنه ، والمحب يريد ذلك لتدوم محبته مع الهجر والجفاء من المحبوبة له . ولهذا كان مقام المحبة حجابا عن المحبوب ، لأن فيه بقية مغايرة للمحبوب وبها كان محبا . وكان بذلك الفرق بين المحب والمحبوب ، والطالب والمطلوب ، ولو كان هذا المصراع للبيت الذي قبله ومصراع البيت الذي قبله له لكان أنسب . اه .
فإن حدّثوا عنها فكلّي مسامع وكلّي إن حدّثتهم ألسن تتلو

[ المعنى ]

هذا مفرع على ميله وصبوته إلى العذال ، لما في ضمن عذلهم من المقال عن ربة الخال ، ومالكة الجمال وصاحبة الدلال . يقول « فإن حدثوا عنها » ولو بالعذل فجميع جوارحي مسامع ، وكل عضو فيّ سامع ، ويجوز أن يخلق اللّه في جميع الأعضاء قوة السمع كما صدر سماع صوت من جميع الجهات ، قال « وكلي » بتحريك ياء المتكلم إن حدثتهم أي عنها ، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه . « ألسن تتلو » أي تتلو محاسنها فجوارحي كلها ناطقة ، وجوانحي راوية للغرام وهي صادقة ترمي وكلي مقتل وكلها سهم مصيب ، وقلت فيما يقارب ما نحن فيه :
سألتك يا روحي بحقك لا تطل * مغيبك عن صب إليك مشوق إذا غبت عنه ساعة صار أعينا * يلاحظ يا مولاي كل طريق
وفي البيت محاسن ظاهرة ، ولطافة باهرة تأخذ بالقلوب والألباب ، وتفضح ما في العقود من الجواهر اللباب .
تخالفت الأقوال فينا تباينا برجم ظنون بيننا ما لها أصل فشنّع قوم بالوصال ولم تصل وأرجف بالسّلوان قوم ولم أسلو فما صدق التّشنيع عنها لشقوتي وقد كذبت عنّي الأراجيف والنّقل
شرح ديوان ابن الفارض — صفحة 185 | بدر الدين الحسن بن محمد البوريني / رشيد بن غالب اللبناني / محمد عبد الكريم النمرى / عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي