أقول : وهذا النقل قريب مما ذكره الطبري « 1 » وابن هشام « 2 » إلّا انّهما ذكرا بعد الآية الأولى - أي إن كان خشي الفتنة من نساء بني الأصفر ، وليس ذلك به ، فما سقط فيه من الفتنة أكبر بتخلّفه عن رسول اللّه والرغبة بنفسه عن نفسه ، يقول تعالى وانّ جهنّم لمن ورائه . . . الخ .
وقال الزيني دحلان « 3 » : غزوة تبوك على وزن تقول للعلميّة ووزن الفعل ، وقيل للعلميّة والتأنيث ، وجوّز بعضهم صرفه على إرادة المكان ، وهو مكان معروف بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة ، بينه وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة ، وقيل اثنتا عشرة مرحلة ، وقيل هو نصف الطريق بين المدينة ودمشق ، وغزوة العسرة مأخوذ من قوله تعالى
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها قالوا
لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
وقد فضحهم اللّه في آيات كثيرة في سورة التوبة .
ثم قال : وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة . قال الحافظ ابن حجر : وذكر البخاري لها بعد حجة الوداع من خطأ النسّاخ ، قال بعضهم : ولعل البخاري تعمّد تأخيرها للإشارة إلى أنّها آخر مغازيه ، وكان الوقت حين خروجه ( ص ) حرّا شديدا وقحطا كثيرا ، ولذلك لم يوزّعها كعادته ( ص ) في سائر الغزوات .
ثم قال : وقد روى البخاري ومسلم عن كعب بن مالك قال : لم يكن ( ص ) يريد غزوة إلّا ورّى بغيرها ، حتّى كانت تلك الغزوة غزاها في حرّ شديد ، واستقبل سفرا بعيدا وغزا عدوّا كثيرا . ثم قال : والتورية ذكر لفظ يحتمل معنين أحدهما أقرب من الآخر ، فيتوهم السامع إرادة القريب والمتكلم يريد البعيد .
ثم قال : وروى عبد الرزاق انّهم خرجوا في قلّة من الظهر مع كثرتهم في حرّ شديد ، حتّى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء ، فسمّيت غزوة العسرة ، أي الشدّة والضيق . . الخ .
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري 3 / 100 .
( 2 ) السيرة النبوية 4 / 159 - 160 .
( 3 ) السيرة النبوية 2 / 125 .