الحرب في العادة إلّا الخيل ، لأن الخيل مخلوقة للكرّ والفرّ بخلاف البغال والإبل ، فبيّن انّ الحرب عنده كالسلم قوّة قلب وشجاعة نفس وثقة باللّه وتوكّلا عليه . وقد أجمعت الصحابة على انّه ( ص ) ما انهزم مع من انهزم ، بل صار يقدم في وجه العدوّ ، بل ما انهزم ( ص ) في موطن قط ، وقد انعقد الإجماع على ذلك .
إلى أن قال : ولمّا انهزم المشركون تبع أثرهم المسلمون قتلا وأسرا ، حتّى حدّث بعض من هوازن بعد إسلامه قال : ما خيّل لنا إلّا انّ كل حجر وشجر فارس يطلبنا ، وأنزل اللّه من الملائكة خمسة آلاف ، وقيل ثمانية آلاف ، وقيل ستة عشر ألفا ، فقيل انّهم قاتلوا ، وقيل لم يقاتلوا وانّما نزلوا لإلقاء السكينة في قلوب المؤمنين . . . الخ .
وقال ابن كثير « 1 » : قالوا وكان رسول اللّه ( ص ) لمّا غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة ، فرفع يديه إلى اللّه يدعوه يقول : اللّهم انّي أنشدك ما وعدتني ، اللّهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا ، ونادى أصحابه وزمرهم : يا أصحاب البيعة يوم الحديبية ، اللّه اللّه الكرّة على نبيّكم . ويقال حرّضهم فقال : يا أنصار اللّه وأنصار رسوله ، يا بني الخزرج أصحاب سورة البقرة . وأمر من أصحابه من ينادي بذلك .
ثم قال : قالوا وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواصيهم كلّها ، وقال ( ص ) : شاهت الوجوه ، وأقبل أصحابه إليه سراعا يبتدرون . . . الخ .
وقال محمد بن سعد « 2 » : ثم قال ( ص ) للعباس بن عبد المطلب : ناولني حصبات ، فناوله حصبات من الأرض ثم قال ( ص ) : شاهت الوجوه ، ورمى بها وجوه المشركين وقال :
انهزموا وربّ الكعبة ، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب وانهزموا لا يلوي أحد منهم على أحد . . . الخ .
وقال الزيني دحلان « 3 » : وجاء انّ النبي ( ص ) رفع يديه ودعا وقال : اللّهم أنشدك
هامش
( 1 ) السيرة النبوية 3 / 626 و 627 .
( 2 ) الطبقات الكبرى 2 / 151 .
( 3 ) السيرة النبوية 2 / 111 .