كلام في شرح حديث " الصّوم لي "
قالَ أبو حامدٍ الغزّالي في شرح الحديث : إنّما كانَ الصومُ للّهِ ومشرّفا بالنسبةِ إليهِ وإن كانت العبادات كلّها له كماشرّف البيت بالنسبةِ إليهِ والأرض كلّها له لمعنيين :
أحدهما : أنّ الصوم كفّ وترك ، وهو في نفسه سرّ ليس فيه عمل يشاهد ، فجميع الطاعاتِ بمشهد من الخلق ومرأى ، والصوم لا يعلمه إلّا اللّه تعالى ؛ فإنّه عمل في الباطن بالصبر المجرّد .
والثاني : أنّه قهرٌ لعدوّ اللّه ؛ فإنّ وسيلة الشيطان لعنه اللّه الشهوات ، وإنّما يقوى الشهوات بالأكل والشرب ؛ ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله : " إنَّ الشَّيطانَ لَيَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ ؛ فَضَيِّقوا مَجارِيَهُ بِالجوعِ " . . . فلمّا كان الصوم على الخصوص قمعا للشيطان وسدّا لمسالكه وتضييقا لمجاريه ، استحقّ التخصيص بالنسبة إلى اللّه ؛ ففي قمع عدوّ اللّه نصرة للّه ، ونصرة اللّه للعبد موقوفة على النصرة له ؛ قال اللّه :
" إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ "
« 1 » ؛ فالبداية بالجهدِ مِنَ العَبدِ ، والجزاء بالهداية مِنَ اللّهِ ؛ ولذلكَ قالَ :
" وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا "
« 2 » ، وقالَ :
" إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ "
« 3 » ؛ وإنّما التغيير بكسر الشهواتِ ، فهي مرتعُ الشياطين ومرعاهم ، فما دامت مخصبة لم ينقطع تردّدهم ، وما داموا يتردّدون فلا ينكشف
هامش
( 1 ) محمّد : 7 .
( 2 ) العنكبوت : 69 .
( 3 ) الرعد : 11 .