فهذا الحديث يدلّ بوضوح على أنَّ الصوم يمنع سلطة الشيطان عن الإنسان على نحو طبيعي .
إنَّ السلسلة الّتي ينطوي عليها الصوم لا تقتصر على تصفيد الشيطان وحدَه ، بل تتخطّى ذلك إلى احتواء نوازع النفسالأمّارة وإلى أسرها ، ممّا يؤدّي إلى ردع سلطتها على الإنسان ، وكما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
نِعمَ العَونُ عَلى أسرِ النَّفسِ وكَسرِ عادَتِهَا التَّجَوُّعُ . « 1 »
على هذا الأساس ، فإنَّ جميع الروايات الّتي جاءت تمتدح الجوع وتثني على دوره في بناء النفس وتربيتها ، إنّما تهدف بالحقيقة إلى إيجاد المانع الطبيعي الّذي يصدّ سلطة الشيطان على الإنسان ويحصنه من نوازع النفس الأمّارة وإغواءاتها ، كما تهدف أيضا تحرير قواه العقلية وإطلاق قابليّاته الإنسانية ، على ما يبدو ذلك واضحا من النموذجين الروائيين التاليين اللذين اخترناهما من بين هذا النمط من الروايات : عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله :
جاهِدوا أنفُسَكُم بِالجُوعِ وَالعَطَشِ ، فَإِنَّ الأجرَ في ذلِكَ كَأَجرِ المُجاهِدِ في سَبيلِ اللّهِ . « 2 »
وعنه صلى اللّه عليه وآله أيضا :
أحيوا قُلُوبَكُم بِقِلَّةِ الضِّحكِ وقِلَّةِ الشَّبَعِ ، وطَهِّروها بِالجُوعِ تَصفو « 3 » وتَرِقُّ . « 4 »
هامش
( 1 ) عيون الحكم والمواعظ : ص 494 ، غرر الحكم : ح 9944 وفيه " أشر " بدل " أسر " .
( 2 ) إحياء علوم الدين : ج 3 ص 124 ؛ المحجّة البيضاء : ج 5 ص 146 .
( 3 ) كذا في المصدر والقياس : " تَصْفُ " .
( 4 ) إحياء علوم الدين : ج 3 ص 129 ؛ المحجَّة البيضاء : ج 5 ص 154 .