تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حكم النبي الأعظم ( ص ) — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
خِلافِ مُرادِهِ ولا إلزامُهُ تَفَضُّلًا ، لِأَ نَّهُ تَفَضَّلَ قَبلَهُ بِنِعَمِهِ . ألا تَرى يا عَبدَاللّهِ ! كَيفَ أغنى واحِدا وقَبَّحَ صورَتَهُ ؟ وكَيفَ حَسَّنَ صورَةَ واحِدٍ وأفقَرَهُ ؟ وكَيفَ شَرَّفَ واحِدا وأفقَرَهُ ؟ وكَيفَ أغنى واحِدا ووَضَعَهُ ؟ ثُمَّ لَيسَ لِهذَا الغَنِيِّ أن يَقولَ : هَلّا اضيفَ إلى يَساري جَمالُ فُلانٍ ؟ ولا لِلجَميلِ أن يَقولَ : هَلّا اضيفَ إلى جِمالي مالُ فُلانٍ ؟ ولا لِلشَّريفِ أن يَقولَ : هَلّا اضيفَ إلى شَرَفي مالُ فُلانٍ ؟ ولا لِلوَضيعِ أن يَقولَ : هَلّا اضيفَ إلى ضَعَتي شَرَفُ فُلانٍ ؟ ولكِنَّ الحُكمَ للّه ، يُقَسِّمُ كَيفَ يَشاءُ ويَفعَلُ كَما يَشاءُ ، وهُوَ حَكيمٌ في أفعالِهِ ، مَحمودٌ في أعمالِهِ ، وذلِكَ قَولُهُ تَعالى :
" وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ "
قالَ اللّهُ تَعالى :
" أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
يا محمد
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا "
فَأَحوَجَنا بَعضا إلى بَعضٍ ، أحوَجَ هذا الرجل إلى مالِ ذلِكَ ، وأحوَجَ ذلِكَ إلى سِلعَةِ هذا أو إلى خِدمَتِهِ . فَتَرى أجَلَّ المُلوكِ وأغنَى الأَغنِياءِ مُحتاجا إلى أفقَرِ الفُقَراءِ في ضَربٍ مِنَ الضُّروبِ : إمّا سِلعَةٍ مَعَهُ لَيسَت مَعَهُ ، وإمّا خِدمَةٍ يَصلَحُ لَها ، لايَتَهَيَّأُ لِذلِكَ المَلِكِ أن يَستَغنِيَ إلّا بِهِ ، وإمّا بابٍ مِنَ العُلومِ وَالحِكَمِ ، هُوَ فَقيرٌ إلى أن يَستَفيدَها مِن هذَا الفَقيرِ ، فَهذَا الفَقيرُ يَحتاجُ إلى مالِ ذلِكَ المَلِكِ الغَنِيِّ ، وذلِكَ المَلِكُ يَحتاجُ إلى عِلمِ هذَا الفَقيرِ ، أو رَأيِهِ ، أو مَعرِفَتِهِ . ثُمَّ لَيسَ لِلمَلِكِ أن يَقولَ : هَلَا اجتَمَعَ إلى مالي عِلمُ هذَا الفَقيرِ ؟ ولا لِلفَقيرِ أن يَقولَ : هَلَا اجتَمَعَ إلى رَأيي وعِلمي وما أتَصَرَّفُ فيهِ مِن فُنونِ الحِكَمِ مالُ هذَا المَلِكِ الغَنِيِّ ؟ ثُمَّ قالَ اللّهُ تَعالى :
" وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا "
ثُمَّ قالَ : يا مُحَمَّدُ قُل لَهُم :
" وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ "
« 1 » أي ما يَجمَعُهُ هؤُلاءِ مِن أموالِ الدُّنيا .
هامش
( 1 ) الزخرف : 31 و 32 .