خلال فهمه الجديد للتأريخ ومن خلال نظرته الشاملة النابعة من ثقافته الواسعة وإدراكه للمغزى السياسي ( الصورة التاريخية ) ومن هنا صار ابن إسحاق شيخ كتاب السيرة وصار من كتبوا بعده عيالا عليه " « 6 » .
ومن ذلك صارت شهرة ابن إسحاق على جميع المصنفين في سيرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم من المتقدمين والمتأخرين أشهر من نار على علم ، حتى وصفه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ( ت 204 ه ) بالقول : " من أراد التبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق " « 7 » .
كانت هنالك عوامل عدة وراء شهرة هذه السيرة التي كتبها محمد بن إسحاق عن الرسول محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهذه العوامل هي :
1 . عدم وجود مصنف متكامل وشامل عن سيرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم قبل مصنفه هذا « 8 » ، إذ كانت مدونات السيرة قبل هذا الكتاب مجرد صحف ومجاميع لا ترقى بمستواها إلى مصافي الكتب المصنفة والمبوبة .
2 . إحالة جمع غفير من العلماء على هذه السيرة ، واعترافهم بتبحر هذا الرجل بالمغازي وأخبارها « 9 » .
3 . تلمذة جمهرة واسعة من طلاب العلم على يده وسماعهم السيرة منه وإجازته لهم بروايتها عنه ، حتى تعدد الرواة لهذه السيرة إلى حد أن خصص لها أحد الباحثين دراسة عنهم « 10 » .
هامش
( 6 ) زكار ، سهيل ، مقدمة تحقيق كتاب السير والمغازي لمحمد بن إسحاق ، دار الفكر ، قم ، إيران ، ط 2 ، 1990 ، ص 9 .
( 7 ) الخطيب البغدادي ، تأريخ بغداد ، 1 / 219 ، ياقوت الحموي ، معجم الأدباء ، 18 / 5 .
( 8 ) ينظر ، المسعودي ، علي بن الحسين ، ( ت 345 ه ) ، مروج الذهب ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، المكتبة التجارية ، القاهرة ، ط 2 ، 1948 ، 4 / 314 - 315 .
( 9 ) ينظر ، الخطيب البغدادي ، تأريخ بغداد ، 1 / 219 ، ابن سيد الناس ، عيون الأثر في فنون المغازي والسير ، 1 / 8 - 10 .
( 10 ) ينظر ، الطرابيشي ، مطاع ، رواة محمد بن إسحاق في المغازي والسير ، دار الفكر المعاصر ، بيروت ، ط 1 ، 1994 ، ص 22 .