نرى في هذا العالم شرارا لئاما ، وفسقة فجارا ، يعتدون على الحرمات ، فيسفكون الدماء ، ويسلبون الأموال ، ويهتكون الأعراض لا يقدسون حقا ، ولا يحترمون رأيا ، تقرع آذانهم قوارع الناصحين ، وعظات المخلصين ، وكأن لم تكن قارعة ، وكأن لم يسمعوا عظة . في سبيل المحافظة على جاههم ، وبقاء سلطانهم يجترحون « 1 » كل فاحشة ، ويقترفون كل مظلمة ، وتخنق الحريات وتصدع الجماعات ، ثم يعجب صوافي النفوس ، وطهرة القلوب : كيف لا ترعوي هذه عن غيها ؟ أليس لها قلب ؟ أليس فيها عاطفة ؟ أليس فيها من الإنسانية بقية ؟ ولو سمعوا هذه الكلمة الخالدة . وفقهوا هذه الحكمة البالغة لعرفوا السبب ، وبطل العجب . ذلك أنهم فقدوا خلق الحياء ، فصنعوا ما شاؤوا . واقترفوا ما أرادوا وإن كان في ذلك هلاك العباد وخراب البلاد
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
« 2 » .
63 - باب : حذر المؤمن
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين » . [ رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجة « 3 » ] .
اللغة :
اللدغ : ما يكون من ذوات السموم . واللدغ : ما يكون من النار .
الشرح :
سبب الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أسر أبا عزة الشاعر يوم بدر ، فذكر له فقره وعياله ، فمنّ عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم وأطلقه بغير فداء ، وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه ، فلحق بقومه ، ثم رجع إلى التحريض والهجاء ثم أسر يوم أحد ، فسأله المن . فقال :
لا . تمسح عارضيك بمكة تقول : « سخرت بمحمد مرتين » ؟ وأمر به فقتل وقال : « لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين » .
هامش
( 1 ) يجترحون : يرتكبون .
( 2 ) سورة الرعد ، الآية : 33 .
( 3 ) رواه البخاري في كتاب : الأدب ، باب : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ( 6133 ) . ورواه مسلم في كتاب : الزهد والرقائق ، باب : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ( 7423 ) . ورواه أبو داود في كتاب : الأدب ، باب : في الحذر من الناس ( 4862 ) . ورواه ابن ماجة في كتاب : الفتن ، باب : العزلة ( 3982 ) .