تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
نقيصة الارتفاع ، وقلت في نفسي : إن سألني عن السّبب شرحته له ، فخرج جوابه إليّ يشكرني ويثني عليّ وشرّفني بشيء من ثيابه كما فعل في السّنة الخالية ، فقلت في نفسي : وا ويلاه ! هذا حالي معه في حالة الاجتهاد والتقصير ، وقد شكرني على الحالتين المتناقضتين ، وهذا يدلّ على أنّه لا يفكّر فيما يقوله ويفعله ، فما يؤمنني أنّ بعض من هو قريب إليه من أعدائي يعرض عليه في أمري ما يكون سببا لهلاكي فلا يتأمّل القضيّة بل يتقدّم بما يوافق غرض العدوّ ؟ قال الحاكي : فقلت له يعيذك الله ويقيك ممّا تحذر ، وما برحت حتّى سلّيته وأزلت غمّه . وكان هذا أبو المعالي بن المطّلب من علماء الوزراء وأفاضلهم وأخيارهم . انقضت أيام المستظهر باللّه ووزرائه .

ثمّ ملك بعده ابنه المسترشد أبو منصور الفضل بن المستظهر باللّه

بويع في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة . كان المسترشد رجلا فاضلا ، ولما بويع بالخلافة هرب أخوه الأمير أبو الحسن وأخفى نفسه ، ومضى إلى الحلّة [ 1 ] مستجيرا بدبيس [ 2 ] بن صدقة صاحب الحلّة وكان دبيس بن صدقة أحد أجواد الدّنيا ، وكان صاحب الدار والجار ، والحمى والذّمار وكانت أيامه أعيادا ، وكانت الحلّة في زمانه محطّ الرّحال ، وملجأ بني الآمال ، ومأوى الطّريد ، ومعتصم الخائف الشّريد . فأكرمه دبيس إكراما زائدا عن الحدّ ، وأفرد له دارا وأكرمه إكراما كثيرا ، ومكث عنده مدّة على أحسن حال . فلما علم أخوه المسترشد باللّه أنه عند دبيس قلق لذلك ، وخاف من أمر يحدث من ناحيته فبعث نقيب النّقباء عليّ بن طراد الزّينيّ إلى الحلّة بخاتمه وأمانه ، وأمره أن يأخذ
هامش
[ 1 ] الحلّة : مدينة على الفرات في العراق ، جنوبي بغداد ، في منطقة بابل . [ 2 ] دبيس بن صدقة : أمير الحلة ، وبادية العراق . فارس مقاتل ضد الصليبيين . ورد ذكره في مقامات الحريري . اتّهم باغتيال الخليفة المسترشد واغتيل في بغداد بتدبير مسعود السلجوقي عام / 529 ه .