تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
وقد تم الكشف عنه منذ أمد غير بعيد في مخطوطة فريدة بمدينة بروسة بتركيا ولا يزال معروفا في مقدمته فقط التي نشرها ماكس ميرهوف
Max Meyerhhof
. وكما رأينا من قبل فإن البيروني لم يقصد به البحث في الأثر الطبى للأدوية 96 ، ولما لم يكن يعتبر نفسه متحصصا في هذه المسائل فقد استعان بخبرة طبيب من معارفه 97 . والشذور التي نشرت من هذا الكتاب إلى الآن توكد أهميته البالغة ليس فقط بالنسبة للناحية التي يبحث فيها بل أيضا بالنسبة لنواح عديدة من بينها الجغرافيا . وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية ، الأمر الذي يدل على ما تمتع به من انتشار واسع . وقد اقتنع ميرهوف بعد بحث عميق أن هذا الكتاب يقف برهانا على أن البيروني عالم لا مثيل له في جميع العصور الوسطى سواء في عمق التفكير أو متانة منهجه في البحث 98 . - - والمعلومات الواقعية التي يوردها البيروني كانت معروفة لدى الجغرافيين المتأخرين الذين أفادوا منها كثيرا كما أبصرنا من مثال ياقوت وأبى الفدا والمقريزي . وعلى النقيض من هذا لم تجد نظرياته الأصيلة الفذة من يكملها أو يواصل البحث فيها وبقيت غير مطبقة من الأجيال التالية ، وقد حدث هذا بوجه التحديد لمشروعه الهندسى لمساقط الخارطات 99 كما هو الشأن مع كثير غيرها مما أبدعته هذه العقلية الفذة . وقد كان مصيره في أوروبا الوسيطة أسوأ من هذا بكثير ، ويبدو أن الأندلس لم تعرف مؤلفاته جيدا . وفي الوقت الدى ترجمت فيه إلى اللاتينية أكثرية المصنفات الكبرى للعلماء العرب بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر ظلت مصنفات البيروني غير معروفة لأوروبا 100 . ويبدو أن الأقدار قد سخرت منه فتردد صدى شهرته في مفهوم مناقض لسمعته وجد طريقه بشكل ما إلى اللغة الفرنسية . « فالأوسطى اليبيورون »
Maitre Aliboron
يقصد به كما يتضح من معجم الأكاديمية الفرنسية 101
Dictionnaire de l'Academie Francaise , 8 e ? d . , 1931
: « الإنسان أو الحيوان الموصوف بالجهل والفدامة ، والمضحك والحمار » . من هذا يتبين لنا أن العلم الأوروبى المعاصر هو الذي اكتشف حقا البيروني في القرن التاسع عشر ؛ بل إن المادة توفرت في السنوات العشر الأخيرة فقط لتمكننا من تقديره تقديرا جديرا بمنزلته . وإذا كان روزن على أيامه قد استطاع أن يوفيه حقه ، فالآن يستطيع بدوره علامة شاب يعد من خيرة العارفين بمصنفاته وهو كراوسه
Krause
أن يقول عنه بحق : « هكذا يصف ؟ ؟ ؟ البيروني أمام أعيننا بحاثة لا يعرف الكلل وعلّامة وضع نصب عينيه أهدافا بعيدة المدى ، ولكنه في نفس الوقت تطلب الكثير من الآخرين . وكان أمينا في منهجه العلمي لا تأخذه في الحقيقة لومة لائم إذا ما أبصر تلاعبا حولها أو ضربا من الإهمال . لقد كان عالما واسع الأفق ، وسعت معرفته العلوم الدقيقة لعصره ؛ وإن شوقه إلى البحث والتقصي يعود بالشرف لقومه وعصره ويقف قدوة لجميع العصور التالية » . وإذا كان البيروني قد غمط الفارسية حقها في أن ترتفع إلى مصاف لغة علمية فإن واقع الأحوال حتى