صالحين تائبين ، فغلب أمره حتى نسوا الذنب وأصروا حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد أربعين سنة ، وقالوا : وإن كنا خاطئين ، وقالوا لأبيهم : إنا كنا خاطئين .
ثم أرادوا أن يغرّوا باسم القميص والدم والبكاء ، فغلب أمره حتى لم يخدع ، وقال : " * ( بل سولت لكم أنفسكم أمراً ) * ) ثم احتالوا أن تذهب محبته من قبل أبيه ، فغلب أمره حتى ازدادت المحبة والشوق في قلبه ، ثم تدبّر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي ، فغلب أمره حتى نسي الساقي في ذكره ، ولبث في السجن بضع سنين ، ثم احتالت امرأة العزيز أن ( تترك ) المراودة عن نفسها حتى قالت " * ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءً ) * ) الآية ، فغلب أمره حتى شهد الشاهد من أهلها .
" * ( ولما بلغ أشدّه ) * ) أي منتهى شبابه وشدّة قوته ، قال مجاهد : ثلاثاً وثلاثين سنة ، الضحاك : عشرين سنة ، وروى ابن عباس أنه ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة ، وقيل : إلى أربعين ، وقيل : إلى ستين ، والأشُدّ : جمع شد ، مثل قدّ ، أقُدّ ، وشرّ وأشُرّ ، وضر وأضرّ ، قال حميد :
وقد أتى لو تعبت العواذل
بعد الأشل أربع كوامل
قال الشاعر :
هل غير أن كثر الأشل وأهلكت
حرب الملوك أكاثر الأموال
" * ( آتيناه حكماً وعلماً ) * ) قال مجاهد : العقل والفهم والعلم قبل النبوة ، وقال أهل المعاني : يعني إصابة في القول ، وعلماً بتأويل الرؤيا وموارد الأُمور ومصادرها .
" * ( وكذلك نجزي المحسنين ) * ) قال ابن عباس : المؤمنين ، وعنه أيضاً : المهتدين ، وقال ( الصدوق ) عن الضحاك : يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف ، وقال محمد بن كعب : هذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن ، فإن المراد به محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : كما فعلت بيوسف بعدما لقي من إخوته ما لقي وقاسى من البلاء ما قاسى فمكّنته في الأرض ، ووطّأت له في البلاد ، وآتيته الحكم والعلم فكذلك أفعل بك ، أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة ، وأُمكّن لك في الأرض ، وأزيدك الحكم والعلم ؛ لأن ذلك جزائي لأهل الإحسان في أمري ونهيي .
( * ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الاَْبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّىأَحْسَنَ مَثْوَاىَّ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاأَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَالِكَ
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 207
مساهمون: الثعلبي
ص٢٠٧