ويغالِط نفسه مكايَدةً ترجيباً لغرسٍ قد غَرسَه وتوطيداً لبناءٍ قد أسّسه وتنفيقاً لِسُوقٍ قد قامت له واستجراراً لجماعةٍ قد التفَّت عليه وكلُّ ذلك طلباً لحُطام هذه الدنيا الوَبيل مَرتَعُها ، الممرّ مَشربُها ، المُنَغَّص نعيمُها و سرورُها ، المظلم ضياؤها ونورها ، الصّائرة بأهلها إلى اخشن المصارع بعد ألين المضاجِع والناقلة لهم إلى أفزع المنازل بعد آمَن المعاقل ، على قربٍ من المعاد وعدمٍ من الزاد ، ثمَّ تتقلَّب بهم إلى حيث
« يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً »
« 1 »
.
تامَّل أيَّدك اللَّه هذا الكلام ما أحسنه وألطَف معانيه وأعقله بالقلب قبل ولوجه في السَّمع رضي اللَّه عن قائله فقد شرح الحال .
أمّا بعد فقد سطرت لك - أمتعنى اللَّه بك - من أقوالهم الموجزة ، وألفاظهم المعجزة ، وحكمهم الباهرة ، ومواعظهم الزاهرة ، لمعا تنزّه ناظرك فيها ، وتنبّه خاطرك بها وحذفت الاسانيد حتّى لا يخرج الكتاب عن الغرض المقصود في الاختصار وقدّمت أمام كلامهم طرفا من كلام رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله ، لتستدلّ به ، وتعلم أنّهم من بحره الزاخر يغترفون ، و من علمه الغامر يقتبسون وأنّه صلوات اللَّه عليه الاصل المتبوع ، وهم الاغصان والفروع وأنّه صلى الله عليه و آله مدينة العلم وهم أبوابها ، وأنّه سماء الحكمة وهم أسبابها وأنّه معدن البلاغة وينبوعها ، وهم زهرتها وربيعها صلوات اللَّه عليهم ولو جمع ما رواه أهل العدل عنهم لما وسعته الطوامير ، ولا حوته الاضابير لانّهم بالحكمة ينطقون ، وبالموعظة يتفوّهون ، ولكنّ اعتمدت قول أمير المؤمنين عليه السّلام إذ قال :
« خذوا من كلّ علم أرواحه ، ودعوا ظروفه ، فان العلم كثير والعمر قصير » .
وقد وسمت كتابي هذا ب « نزهة الناظر وتنبيه الخاطر » وباللَّه تعالى التوفيق وهو حسبى ونعم الوكيل .
هامش
( 1 ) . آل عمران : 30 .