واجتمعت كلمتهم إلى أن أتتهم البينة .
وقيل : معنى منفكين : هالكين ، من قولهم : انفك صلا المرأة عند الولادة ، وأن ينفصل فلا يلتئم ، والمعنى : لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، انتهى . ومنفكين اسم فاعل من انفك ، وهي التامة وليست الداخلة على المبتدأ والخبر . وقال بعض النحاة : هي الناقصة ، ويقدر منفكين : عارفين أمر محمد صلى الله عليه وسلم ) ، أو نحو هذا ، وخبر كان وأخواتها لا يجوز حذفه لا اقتصاراً ولا اختصاراً ، نص على ذلك أصحابنا ، ولهم علة في منع ذلك ذكروها في علم النحو ، وقالوا في قوله : حين ليس مجير ، أي في الدنيا ، فحذف الخبر أنه ضرورة ، والبينة : الحجة الجليلة .
وقرأ الجمهور : * ( رَّسُولٍ ) * بالرفع بدلاً من * ( الْبَيّنَةُ ) * ، وأبيّ وعبد الله : بالنصب حالاً من البينة . * ( يَتْلُو صُحُفاً ) * : أي قراطيس ، * ( مُّطَهَّرَةٍ ) * من الباطل . * ( فِيهَا كُتُبٌ ) * : مكتوبات ، * ( قَيّمَةٌ ) * : مستقيمة ناطقة بالحق . * ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ) * : أي من المشركين ، وانفصل بعضهم من بعض فقال : كل ما يدل عنده على صحة قوله . * ( إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيّنَةُ ) * : وكان يقتضي مجيء البينة أن يجتمعوا على اتباعها . وقال الزمخشري : كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ) . وقال أيضاً : أفرد أهل الكتاب ، يعني في قوله : * ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ) * بعد جمعهم والمشركين ، قيل : لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم ، فإذا وصفوا بالتفرق عنه ، كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف . والمراد بتفرقهم : تفرقهم عن الحق ، أو تفرقهم فرقاً ، فمنهم من آمن ، ومنهم من أنكر . وقال : ليس به ومنهم من عرف وعاند . وقال ابن عطية : ذكر تعالى مذمة من لم يؤمن من أهل الكتاب من أنهم لم يتفرقوا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ) إلا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة ، وكانوا من قبل متفقين على نبوته وصفته ، فلما جاء من العرب حسدوه ، انتهى .
وقرأ الجمهور : * ( مُخْلِصِينَ ) * بكسر اللام ، والدين منصوب به ؛ والحسن : بفتحها ، أي يخلصون هم أنفسهم في نياتهم . وانتصب * ( الدّينِ ) * ، إما على المصدر من * ( لِيَعْبُدُواْ ) * ، أي ليدينوا الله بالعبادة الدين ، وإما على إسقاط في ، أي في الدين ، والمعنى : وما أمروا ، أي في كتابيهما ، بما أمروا به إلا ليعبدوا . * ( حُنَفَاء ) * : أي مستقيمي الطريقة . وقال محمد بن الأشعب الطالقاني : القيمة هنا : الكتب التي جرى ذكرها ، كأنه لما تقدم لفظ قيمة نكرة ، كانت الألف واللام في القيمة للعهد ، كقوله تعالى : * ( كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) * . وقرأ عبد الله : وذلك الدين القيمة ، فالهاء في هذه القراءة للمبالغة ، أو أنث ، على أن عنى بالدين الملة ، كقوله : ما هذه الصوت ؟ يريد : ما هذه الصيحة : وذكر تعالى مقر الأشقياء وجزاء السعداء ، والبرية : جميع الخلق . وقرأ الأعرج وابن عامر ونافع : البرئة بالهمز من برأ ، بمعنى خلق . والجمهور : بشد الياء ، فاحتمل أن يكون أصله الهمز ، ثم سهل بالإبدال وأدغم ، واحتمل أن يكون من البراء ، وهو التراب . قال ابن عطية : وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ ، وهو اشتقاق غير مرضي ، ويعني اشتقاق البرية بلا همز من البرا ، وهو التراب ، فلا يجعله خطأ ، بل قراءة الهمز مشتقة من برأ ، وغير الهمز من البرا ؛ والقراءتان قد تختلفان في الاشتقاق نحو : أو ننساها أو ننسها ، فهو اشتقاق مرضي . وحكم على الكفار من الفريقين بالخلود في النار وبكونهم شر البرية ، وبدأ بأهل الكتاب لأنهم كانوا يطعنون في نبوته ، وجنايتهم أعظم لأنهم أنكروه مع العلم به ، وشر البرية ظاهره العموم . وقيل : * ( شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) * : الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، إذ لا يبعد أن يكون في كفار الأمم هو شر من هؤلاء ، كفرعون وعاقر ناقة صالح . وقرأ الجمهور : * ( خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * مقابل * ( شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) * ؛ وحميد وعامر بن عبد الواحد : خيار البرية جمع خير ، كجيد وجياد . وبقية السورة واضحة ، وتقدم شرح ذلك إفراداً وتركيباً .
تفسير البحر المحيط — صفحة 495
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٩٥