أن ينتصب على إسقاط في ، فلا يجوز ذلك إلا في الضرورة ، وقد نص سيبويه على أن عسل الطريق شاذ ، فلا يخرج القرآن عليه . * ( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ ) * : أي أيقنا ، * ( فِى الاْرْضِ ) * : أي كائنين في الأرض ، * ( وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ) * : أي من الأرض إلى السماء ، وفي الأرض وهرباً حالان ، أي فارين أو هاربين . * ( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى ) * : وهو القرآن ، * ( بِهِ إِنَّهُ ) * : أي بالقرآن ، * ( فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ ) * : أي فهو لا يخاف . وقرأ ابن وثاب والأعمش والجمهور : * ( فَلاَ يَخَافُ ) * ، وخرجت قراءتهما على النفي . وقيل : الفاء زائدة ولا نفي وليس بشيء ، وكان الجواب بالفاء أجود من المجيء بالفعل مجزوماً دون الفاء ، لأنه إذا كان بالفاء كان إضمار مبتدأ ، أي فهو لا يخاف . والجملة الاسمية أدل وآكد من الفعلية على تحقق مضمون الجملة . * ( بَخْساً ) * ، قال ابن عباس : نقص الحسنات ، * ( وَلاَ رَهَقاً ) * ، قال : زيادة في السيئات ، * ( وَلاَ رَهَقاً ) * ، قيل : تحميل ما لا يطاق . وقال الزمخشري : أي جزاء بخس ولا رهق ، لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد ، فلا يخاف جزاءهما . ويجوز أن يراد : فلا يخاف أن يبخس بل يجزى الجزاء الأوفى ، ولا أن ترهقه ذلة من قوله عز وجل : * ( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) * . انتهى . وقرأ الجمهور : * ( بَخْساً ) * بسكون الخاء ؛ وابن وثاب : بفتحها . * ( وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ) * : أي الكافرون الجائزون عن الحق . قال مجاهد وقتادة : والبأس القاسط : الظالم ، ومنه قول الشاعر :
* قوم هم قتلوا ابن هند عنوة
*
وهمو اقسطوا على النعمان
*
وجاء هذا التقسيم ، وإن كان قد تقدم * ( وَأَنَّا مِنَّا ) * ، ومنا دون ذلك ليذكر حال الفريقين من النجاة والهلكة ويرغب من يدخل في الإسلام . والظاهر أن * ( الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ ) * إلى آخر الشرطين من كلام الجن . وقال ابن عطية : الوجه أن يكون * ( فَمَنْ أَسْلَمَ ) * مخاطبة من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ) ، وسلم ويؤيده ما بعد من الآيات . وقرأ الأعرج : رشداً ، بضم الراء وسكون الشين ؛ والجمهور : بفتحهما . وقال الزمخشري : وقد زعم من لا يرى للجن ثواباً أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم ، وكفى به وعيداً ، أي فأولئك تحروا رشداً ، فذكر سبب الثواب وموجبه ، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثيب الراشد . انتهى ، وفيه دسيسة الاعتزال في قوله وموجبه .
قوله عز وجل : * ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لاَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً * لّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً * وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً * وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً * قُلْ إِنَّمَا * ادْعُواْ * رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً * قُلْ إِنّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً * قُلْ إِنّى لَن * يُجِيرَنِى مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً * حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً * قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى أَمَداً * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالَاتِ رَبّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْء عَدَداً ) * .
هذا من جملة الموحى المندرج تحت * ( أُوحِىَ إِلَيْكَ ) * ، وأن مخففة من الثقيلة ، والضمير في * ( اسْتَقَامُواْ ) * ، قال الضحاك والربيع بن أنس وزيد بن أسلم وأبو مجلز : هو عائد على قوله : * ( فَمَنْ أَسْلَمَ ) * ، والطريقة : طريقة الكفر ، أي لو كفر من أسلم من الناس * ( لاَسْقَيْنَاهُم ) * إملاء لهم واستدراجاً واستعارة ، الاستقامة للكفر قلقة لا تناسب . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جبير : هو عائد على القاسطين ، والمعنى على الطريقة الإسلام والحق ، لأنعمنا عليهم ، نحو قوله : * ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ ) * . وقيل : الضمير في استقاموا عائد على الخلق كلهم ، وأن هي
تفسير البحر المحيط — صفحة 344
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٤٤