تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
في اختلاف ألوان الناس وخلقهم وخلقهم ومللهم . وقيل : صبياناً ثم شباباً ثم شيوخاً وضعفاء ثم أقوياء . وقيل : معنى * ( أَطْوَاراً ) * : أنواعاً صحيحاً وسقيماً وبصيراً وضريراً وغنياً وفقيراً . * قوله عز وجل : * ( أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ * سَمَاوَاتٍ * طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ الاْرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الاْرْضَ بِسَاطاً * لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً * قَالَ نُوحٌ رَّبّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَاتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً * وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً * مّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً * وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاْرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً * رَّبّ اغْفِرْ لِى وَلِوالِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً ) * . لما نبههم نوح عليه السلام على الفكر في أنفسهم ، وكيف انتقلوا من حال إلى حال ، وكانت الأنفس أقرب ما يفكرون فيه منهم ، أرشدهم إلى الفكر في العالم علوه وسفله ، وما أودع تعالى فيه ، أي في العالم العلوي من هذين النيرين اللذين بهما قوام الوجود . وتقدم شرح * ( طِبَاقاً ) * في سورة الملك ، والضمير في فيهن عائد على السماوات ، ويقال : القمر في السماء الدنيا ، وصح كون السماوات ظرفاً للقمر ، لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأه المظروف . تقول : زيد في المدينة ، وهو في جزء منها ، ولم تقيد الشمس بظرف ، فقيل : هي في الرابعة ، وقيل : في الخامسة ، وقيل : في الشتاء في الرابعة ، وفي الصيف في السابعة ، وهذا شيء لا يوقف على معرفته إلا من علم الهيئة . ويذكر أصحاب هذا العلم أنه يقوم عندهم البراهين القاطعة على صحة ما يدعونه ، وأن في معرفة ذلك دلالة واضحة على عظمة الله وقدرته وباهر مصنوعاته . * ( سِرَاجاً ) * يستضيء به أهل الدنيا ، كما يستضيء الناس بالسراج في بيوتهم ، ولم يبلغ القمر مبلغ الشمس في الإضاءة ، ولذلك ؛ جاء هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ، والضياء أقوى من النور . والإنبات استعارة في الإنشاء ، أنشأ آدم من الأرض وصارت ذريته منه ، فصح نسبتهم كلهم إلى أنهم أنبتوا منها . وانتصاب نباتاً بأنبتكم مصدراً على حذف الزائد ، أي إنباتاً ، أو على إضمار فعل ، أي فنبتم نباتاً . وقال الزمخشري : المعنى أنبتكم فنبتم ، أو نصب بأنبتكم لتضمنه معنى نبتم . انتهى . ولا أعقل معنى هذا الوجه الثاني الذي ذكره . * ( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ) * : أي يصيركم فيها مقبورين ، * ( وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ) * : أي يوم القيامة ، وأكده بالمصدر ، أي ذلك واقع لا محالة . * ( بِسَاطاً ) * تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه . وظاهره أن الأرض ليست كروية بل هي مبسوطة ، * ( سُبُلاً ) * : ظرفاً ، * ( فِجَاجاً ) * : متسعة ، وتقدم الكلام على الفج في سورة الحج . ولما أصروا على العصيان وعاملوه بأقبح الأقوال والأفعال ، * ( قَالَ نُوحٌ رَّبّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى ) * : الضمير للجميع ، وكان قد قال لهم : * ( وَأَطِيعُونِ ) * ، وكان قد أقام فيهم ما نص الله تعالى عليه * ( أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ) * ، وكانوا قد وسع عليهم في الرزق بحيث كانوا يزرعون في الشهر مرتين . * ( وَاتَّبِعُواْ ) * : أي عامتهم وسفلتهم ، إذ لا يصح عوده على الجميع في عبادة الأصنام . * ( مَن لَّمْ يَزِدْهُ ) * : أي رؤساؤهم وكبراؤهم ، وهم الذين كان ما تأثلوه من المال وما تكثروا به من الولد سبباً في خسارتهم في الآخرة ، وكان سبب هلاكهم في الدنيا . وقرأ ابن الزبير والحسن والنخعي والأعرج ومجاهد والأخوان وابن كثير وأبو عمرو ونافغ ، في رواية خارجة : وولده بضم الواو وسكون اللام ؛ والسلميّ والحسن أيضاً وأبو رجاء وابن وثاب وأبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وابن عامر : بفتحهما ، وهما لغتان ، كبخل وبخل ؛ والحسن أيضاً والجحدري وقتادة وزر وطلحة وابن أبي إسحاق وأبو عمرو ، في رواية : كسر الواو وسكون اللام . وقال أبو حاتم : يمكن أن يكون الولد بالضم جمع الولد ، كخشب وخشب ، وقد قال حسان بن ثابت : * يا بكر آمنة المبارك بكرها * من ولد محصنة بسعد الأسعد *
تفسير البحر المحيط — صفحة 334 | أبي حيان الأندلسي / الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض / زكريا عبد المجيد النوقي و أحمد النجولي الجمل