تقديره : إن ذكر رسولاً وعمل منوناً كما عمل ، أو * ( إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ) * ، كما قال الشاعر :
* بضرب بالسيوف رؤوس قوم
*
أزلنا هامهن عن المقيل
*
وقرئ : رسول بالرفع على إضمار هو ليخرج ، يصح أن يتعلق بيتلو وبأنزل . * ( الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * : أي الذين قضى وقدر وأراد إيمانهم ، أو أطلق عليهم آمنوا باعتبار ما آل أمرهم إليه . وقال الزمخشري : ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح ، لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين ، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ . انتهى . والضمير في * ( لّيُخْرِجَ ) * عائد على الله تعالى ، أو على الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، أو على الذكر . * ( وَمَن يُؤْمِن ) * : راعى اللفظ أولاً في من الشرطية ، فأفرد الضمير في * ( يُؤْمِنُ ) * ، * ( وَيَعْمَلْ ) * ، و * ( يُدْخِلْهُ ) * ، ثم راعى المعنى في * ( خَالِدِينَ ) * ، ثم راعى اللفظ في * ( قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ ) * فأفرد . واستدل النحويون بهذه الآية على مراعاة اللفظ أولاً ، ثم مراعاة المعنى ، ثم مراعاة اللفظ . وأورد بعضهم أن هذا ليس كما ذكروا ، لأن الضمير في * ( خَالِدِينَ ) * ليس عائداً على من ، بخلاف الضمير في * ( يُؤْمِنُ ) * ، * ( وَيَعْمَلْ ) * ، و * ( يُدْخِلْهُ ) * ، وإنما هو عائد على مفعول * ( يُدْخِلْهُ ) * ، و * ( خَالِدِينَ ) * حال منه ، والعامل فيها * ( يُدْخِلْهُ ) * لا فعل الشرط .
* ( اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ * سَمَاوَاتٍ ) * : لا خلاف أن السماوات سبع بنص القرآن والحديث ، كما جاء في حديث الإسراء ، ولقوله صلى الله عليه وسلم ) لسعد : ( حكمت بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة ) ، وغيره من نصوص الشريعة . وقرأ الجمهور : * ( مِثْلَهُنَّ ) * بالنصب ؛ والمفضل عن عاصم ، وعصمة عن أبي بكر : مثلُهن بالرفع فالنصب ، قال الزمخشري : عطفاً على * ( سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) * . انتهى ، وفيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف ، وهو الواو ، والمعطوف ؛ وهو مختص بالضرورة عند أبي عليّ الفارسي ، وأضمر بعضهم العامل بعد الواو لدلالة ما قبله عليه ، أي وخلق من الأرض مثلهن ، فمثلهن مفعول للفعل المضمر لا معطوف ، وصار ذلك من عطف الجمل والرفع على الابتداء ، * ( وَمِنَ الاْرْضِ ) * الخبر ، والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف . فقال الجمهور : المثلية في العدد : أي مثلهن في كونها سبع أرضين . وفي الحديث : ( طوقه من سبع أرضين ) ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ) ، فقيل : سبع طباق من غير فتوق . وقيل : بين كل طبقة وطبقة مسافة . قيل : وفيها سكان من خلق الله . قيل : ملائكة وجن . وعن ابن عباس ، من رواية الواقدي الكذاب ، قال : في كل أرض آدم كآدم ، ونوح كنوح ، ونبي كنبيكم ، وإبراهيم كإبراهيمكم ، وعيسى كعيسى ، وهذا حديث لا شك في وضعه . وقال أبو صالح : إنها سبع أرضين منبسطة ، ليس بعضها فوق بعض ، تفرق بينها البحار ، وتظل جميعها السماء .
* ( يَتَنَزَّلُ الاْمْرُ بَيْنَهُنَّ ) * : من السماوات السبع إلى الأرضين السبع . وقال مقاتل وغيره : الأمر هنا الوحي ، فبينهن إشارة إلى بين هذه الأرض التي هي أدناها وبين السماء السابعة . وقال الأكثرون : الأمر : القضاء ، فبينهن إشارة إلى بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها . وقيل : * ( يَتَنَزَّلُ الاْمْرُ بَيْنَهُنَّ ) * بحياة وموت وغنى وفقر . وقى ل : هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبير . وقرأ الجمهور : * ( يَتَنَزَّلُ ) * مضارع تنزل . وقرأ عيسى وأبو عمر ، وفي رواية : ينزل مضارع نزل مشدّداً ، الأمر بالنصب ؛ والجمهور : * ( لّتَعْلَمُواْ ) * بتاء الخطاب . وقرئ : بياء الغيبة ، والله تعالى أعلم .
تفسير البحر المحيط — صفحة 283
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٨٣