من ذلك ، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته . انتهى . وقال ابن عطية : والمقت : البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها الممقوت . انتهى . وقال المبرد : رجل ممقوت ومقيت ، إذا كان يبغضه كل أحد . انتهى . وقرأ زيد بن عليّ : يقاتلون بفتح التاء . وقيل : قرىء يقتلون ، وانتصب صفاً على الحال ، أي صافين أنفسهم أو مصفوفين ، كأنهم فيء في تراصهم من غير فرجة ولا خلل ، بنيان رص بعضه إلى بعض . والظاهر تشبيه الذوات في التحام بعضهم ببعض بالبنيان المرصوص . وقيل : المراد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص . قيل : وفيه دليل على فضل القتال راجلاً ، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة ؛ وصفاً وكأنهم ، قال الزمخشري : حالان متداخلان . وقال الحوفي : كأنهم في موضع النعت لصفاً . انتهى . ويجوز أن يكونا حالين من ضمير يقاتلون .
ولما كان في المؤمنين من يقول ما لا يفعل ، وهو راجع إلى الكذب ، فإن ذلك في معنى الإذاية للرسول عليه الصلاة والسلام ، إذ كان في أتباعه من عانى الكذب ، فناسب ذكر قصة موسى وقوله لقومه : * ( لِمَ تُؤْذُونَنِى ) * ، وإذايتهم له كان بانتقاصه في نفسه وجحود آيات الله تعالى واقتراحاتهم عليه ما ليس لهم اقتراحه ، * ( وَقَد تَّعْلَمُونَ ) * : جملة حالية تقتضي تعظيمه وتكريمه ، فرتبوا على علمهم أنه رسول الله ما لا يناسب العلم وهو الإذاية ، وقد تدل على التحقق في الماضي والتوقع في المضارع ، والمضارع هنا معناه المضي ، أي وقد علمتم ، كقوله : * ( قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ ) * ، أي قد علم ، * ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ ) * . وعبر عنه بالمضارع ليدل على استصحاب الفعل ، * ( فَلَمَّا زَاغُواْ ) * عن الحق ، * ( أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) * . قال الزمخشري : بأن منع ألطافه ، * ( وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) * : لا يلطف بهم ، لأنهم ليسوا من أهل اللطف . وقال غيره : أسند الزيغ إليهم ، ثم قال : * ( أَزَاغَ اللَّهُ ) * كقوله تعالى : * ( نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ) * ، وهو من العقوبة على الذنب بالذنب ، بخلاف قوله : * ( ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ ) * .
ولما ذكر شيئاً من قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل ، ذكر أيضاً شيئاً من قصة عيسى عليه السلام . وهناك قال : * ( عَلَيْهِ قَوْمٌ ) * لأنه من بني إسرائيل ، وهنا قال عيسى : * ( مَعِىَ بَنِى إِسْراءيلَ ) * من حيث لم يكن له فيهم أب ، وإن كانت أمه منهم . ومصدقاً ومبشراً : حالان ، والعامل رسول ، أي مرسل ، ويأتي واسمه جملتان في موضع الصفة لرسول أخبر أنه مصدق لما تقدم من كتب الله الإلهية ، ولمن تأخر من النبي المذكور ، لأن التبشير بأنه رسول تصديق لرسالته . وروي أن الحواريين قالوا : يا رسول الله هل بعدنا من أمة ؟ قال : ( نعم ، أمة أحمد صلى الله عليه وسلم ) ، حكماء علماء أبرار أتقياء ، كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ، ويرضى الله منهم بالقليل من العمل ) . وأحمد علم منقول من المضارع للمتكلم ، أو من أحمد أفعل التفضيل ، وقال حسان :
* صلى الإله ومن يحف بعرشه
*
والطيبون على المبارك أحمد
*
وقال القشيري : بشر كل نبي قومه بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ) ، والله أفرد عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه آخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ) ، فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحداً بعد واحد حتى انتهت إلى عيسى عليه السلام . والظاهر أن الضمير المرفوع في * ( جَاءهُمُ ) * يعود على عيسى لأنه المحدث عنه . وقيل : يعود على أحمد . لما فرغ من كلام عيسى ، تطرق إلى الإخبار عن أحمد صلى الله عليه وسلم ) ، وذلك على سبيل الإخبار للمؤمنين ، أي فلما جاء المبشر به هؤلاء الكفار بالمعجزات الواضحة قالوا : * ( هَاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) * . وقرأ الجمهور : سحر ، أي ما جاء به من البينات . وقرأ عبد الله وطلحة والأعمش وابن وثاب : ساحر ، أي هذا الحال ساحر . وقرأ الجمهور : يدعى مبنياً للمفعول ؛ وطلحة : يدعى مضارع ادعى مبنياً للفاعل ، وادعى يتعدى بنفسه إلى المفعول به ، لكنه لما ضمن معنى الانتماء والانتساب عدى بإلى . وقال الزمخشري : أيضاً ، وقرأ طلحة بن مصرف : وهو يدعى بشد الدال ، بمعنى يدعى دعاه وادعاه ، نحو لمسه والتمسه .
* ( يُرِيدُونَ ) * الآية : تقدم
تفسير البحر المحيط — صفحة 259
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٥٩