الإعراب ، أو استئناف إخبار . وقال الحوفي والزمخشري : حال من الضمير في * ( لاَ تَتَّخِذُواْ ) * ، أو صفة لأولياء ، وهذا تقدّمه إليه الفراء ، قال : * ( تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) * من صلة * ( أَوْلِيَاء ) * . انتهى . وعندهم أن النكرة توصل ، وعند البصريين لا توصل بل توصف ، والحال والصفة قيد وهم قد نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقاً ، والتقييد يدل على أنه يجوز أن يتخذوا أولياء إذا لم يكونوا في حال إلقاء المودة ، أو إذا لم يكن الأولياء متصفين بهذا الوصف ، وقد قال تعالى : * ( يُوقِنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء ) * ، فدل على أنه لا يقتصر على تلك الحال ولا ذلك الوصف . والأولياء عبارة عن الإفضاء بالمودة ، ومفعول * ( تُلْقُونَ ) * محذوف ، أي تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وأسراره . والباء في * ( بِالْمَوَدَّةِ ) * للسبب ، أي بسبب المودة التي بينهم . وقال الكوفيون : الباء زائدة ، كما قيل : في : * ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) * : أي أيديكم . قال الحوفي : وقال البصريون هي متعلقة بالمصدر الذي دل عليه الفعل ، وكذلك قوله * ( بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) * : أي إرادته بإلحاد . انتهى . فعلى هذا يكون * ( بِالْمَوَدَّةِ ) * متعلقاً بالمصدر ، أي إلقاؤهم بالمودّة ، وهذا ليس بجيد ، لأن فيه حذف المصدر ، وهو موصول ، وحذف الخبر ، إذ إلقاؤهم مبتدأ وبما يتعلق به ، * ( وَقَدْ كَفَرُواْ ) * جملة حالية ، وذو الحال الضمير في * ( تُلْقُونَ ) * : أي توادونهم ، وهذه حالهم ، وهي الكفر بالله ، ولا يناسب الكافر بالله أن يودّ . وأجاز الزمخشري أن يكون حالاً من فاعل * ( لاَ تَتَّخِذُواْ ) * .
وقرأ الجمهور : * ( بِمَا جَاءكُمْ ) * ، والجحدري والمعلى عن عاصم : لما باللام مكان الباء ، أي لأجل ما جاءكم . * ( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ ) * : استئناف ، كالتفسير لكفرهم ، أو حال من ضمير * ( كَفَرُواْ ) * ، * ( وَإِيَّاكُمْ ) * : معطوف على الرسول . وقدّم على إياكم الرسول لشرفه ، ولأنه الأصل للمؤمنين به . ولو تقدّم الضمير لكان جائزاً في العربية ، خلافاً لمن خص ذلك بالضرورة ، قال : لأنك قادر على أن تأتي به متصلاً ، فلا تفصل إلا في الضرورة ، وهو محجوج بهذه الآية وبقوله تعالى : * ( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ) * وإياكم أن اتقوا الله ، وقدّم الموصول هنا على المخاطبين للسبق في الزمان وبغير ذلك من كلام العرب . و * ( أَن تُؤْمِنُواْ ) * مفعول من أجله ، أي يخرجون لإيمانكم أو كراهة إيمانكم ، * ( إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ ) * : شرط جوابه محذوف لدلالة ما تقدّم عليه ، وهو قوله : * ( لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى ) * ، ونصب جهاداً وابتغاء على المصدر في موضع الحال ، أي مجاهدين ومبتغين ، أو على أنه مفعول من أجله . * ( تُسِرُّونَ ) * : استئناف ، أي تسرون وقد علمتم أني أعلم الإخفاء والإعلان ، وأطلع الرسول صلى الله عليه وسلم ) على ذلك ، فلا طائل في فعلكم هذا . وقال ابن عطية : * ( تُسِرُّونَ ) * بدل من * ( تُلْقُونَ ) * . انتهى ، وهو شبيه ببدل الاشتمال ، لأن الإلقاء يكون سراً وجهراً ، فهو ينقسم إلى هذى ن النوعين . وأجاز أيضاً أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : أنتم تسرون . والظاهر أن * ( أَعْلَمُ ) * أفعل تفضيل ، ولذلك عداه بالباء . وأجاز ابن عطية أن يكون مضارعاً عدى بالباء قال : لأنك تقول علمت بكذا . * ( وَأَنَاْ أَعْلَمُ ) * : جملة حالية ، والضمير في * ( وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ ) * ، الظاهر أنه إلى أقرب مذكور ، أي ومن يفعل الأسرار . وقال ابن عطية : يعود على الاتخاذ ، وانتصب سواء على المفعول به على تقدير تعدى ضل ، أو على الظرف على تقدير اللزوم ، والسواء : الوسط .
ولما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء ، وشرح ما به الولاية من الإلقاء بالمودة بينهم ، وذكر ما صنع الكفار بهم أولاً من إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين ، ذكر صنيعهم آخراً لو قدروا عليه من أنه إن تمكنوا منكم تظهر عداوتهم لكم ، ويبسطوا أيديهم بالقتل والتعذيب ، وألسنتهم بالسب ؛ وودوا لو ارتددتم عن دينكم الذي هو أحب الأشياء إليكم ، وهو سبب إخراجهم إياكم . قال الزمخشري : فإن قلت : كيف أورد جواب الشرط مضارعاً مثله ، ثم قال * ( وَوَدُّواْ ) * بلفظ الماضي ؟ قلت : الماضي ، وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب ، فإنه فيه نكتة كأنه قيل : وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم ، يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعاً . انتهى . وكأن الزمخشري فهم من قوله : * ( وَوَدُّواْ ) * أنه معطوف على جواب الشرط ، فجعل ذلك سؤالاً وجواباً . والذي يظهر أن قوله : * ( وَوَدُّواْ ) * ليس على جواب الشرط ، لأن ودادتهم كفرهم ليست مترتبة على الظفر بهم والتسلط عليهم ، بل هم وأدون
تفسير البحر المحيط — صفحة 251
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٥١