على الشيء : أعجزته عنه وغلبته عليه ولم تمكنه منه ، والمعنى : * ( وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَن نُّبَدّلَ أَمْثَالَكُمْ ) * : أي نحن قادرون على ذلك ، لا تغلبوننا عليه ، إن أردنا ذلك . وقال الطبري : المعنى نحن قادرون ، * ( قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ) * ، * ( عَلَى أَن نُّبَدّلَ أَمْثَالَكُمْ ) * : أي بموت طائفة ونبدلها بطائفة ، هكذا قرناً بعد قرن . انتهى . فعلى أن نبدل متعلق بقوله : * ( نَحْنُ قَدَّرْنَا ) * ، وعلى القول الأول متعلق * ( بِمَسْبُوقِينَ ) * ، أي لا نسبق . * ( عَلَى أَن نُّبَدّلَ أَمْثَالَكُمْ ) * ، وأمثالكم جمع مثل ، * ( وَنُنشِئَكُمْ * فِيمَا * لاَ تَعْلَمُونَ ) * من الصفات : أي نحن قادرون على أن نعدمكم وننشىء أمثالكم ، وعلى تغيير أوصافكم مما لا يحيط به فكركم . وقال الحسن : من كونكم قردة وخنازير ، قال ذلك لأن الآية تنحو إلى الوعيد . ويجوز أن يكون * ( أَمْثَالَكُم ) * جمع مثل بمعنى الصفة ، أي نحن قادرون على أن نغير صفاتكم التي أنتم عليها خلقاً وخلقاً ، * ( وَنُنشِئَكُمْ ) * في صفات لا تعلمونها .
* ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الاْولَى ) * : أي علمتم أنه هو الذي أنشأكم ، أولاً أنشأنا إنساناً . وقيل : نشأة آدم ، وأنه خلق من طين ، ولا ينكرها أحد من ولده . * ( فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ ) * : حض على التذكير المؤدي إلى الإيمان والإقرار بالنشأة الآخرة . وقرأ الجمهور : تذكرون بشد الذال ؛ وطلحة يخفها وضم الكاف ، قالوا : وهذه الآية دالة على استعمال القياس والحض عليه . انتهى ، ولا تدل إلا على قياس الأولى ، لا على جميع أنواع القياس . * ( أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ) * : ما تذرونه في الأرض وتبذرونه ، * ( تَزْرَعُونَهُ أَمْ ) * : أي زرعاً يتم وينبت حتى ينتفع به ، والحطام : اليابس المتفتت الذي لم يكن له حب ينتفع به . * ( فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ) * ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : تعجبون . وقال عكرمة : تلاومون . وقال الحسن : تندمون . وقال ابن زيد : تنفجعون ، وهذا كله تفسير باللازم . ومعنى تفكهون : تطرحون الفكاهة عن أنفسكم وهي المسرة ، ورجل فكه : منبسط النفس غير مكترث بشيء ، وتفكه من أخوات تخرج وتحوب . وقرأ الجمهور : * ( فَظَلْتُمْ ) * ، بفتح الظاء ولام واحدة ؛ وأبو حيوة وأبو بكر في رواية القيكي عنه : بكسرها . كما قالوا : مست بفتح الميم وكسرها ، وحكاها الثوري عن ابن مسعود ، وجاءت عن الأعمش . وقرأ عبد الله والجحدري : فظللتم على الأصل ، بكسر اللام . وقرأ الجحدري أيضاً : بفتحها ، والمشهور ظللت بالكسر . وقرأ الجمهور : * ( تَفَكَّهُونَ ) * ؛ وأبو حرام : بالنون بدل الهاء . قال ابن خالويه : تفكه : تعجب ، وتفكن : تندم . * ( إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) * ، قبله محذوف : أي يقولون . وقرأ الجمهور : إنا ؛ والأعمش والجحدري وأبو بكر : أئنا بهمزتين ، * ( لَمُغْرَمُونَ ) * : أي معذبون من الغرام ، وهو أشد العذاب ، قال :
* إن يعذب يكن غراماً وإن
*
يعط جزيلاً فإنه لا يبالي
*
أو لمحملون الغرم في النفقة ، إذ ذهب عنا غرم الرجل وأغرمته . * ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) * : محدودون ، لاحظ لنا في الخير . * ( الْمَاء الَّذِى تَشْرَبُونَ ) * : هذا الوصف يغني عن وصفه بالعذاب . ألا ترى مقابله ، وهو الأجاج ؟ ودخلت اللام في * ( لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ) * ، وسقطت في قوله : * ( جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ) * ، وكلاهما فصيح . وطول الزمخشري في مسوغ ذلك ، وملخصه : أن الحرف إذا كان في مكان ، وعرف واشتهر في ذلك المكان ، جاز حذفه لشهرة أمره . فإن اللام علم لارتباط الجملة الثانية بالأولى ، فجاز حذفه استغناء بمعرفة السامع . وذكر في كلامه أن الثاني امتنع لامتناع الأول ، وليس كما ذكر ، إنما هذا قول ضعفاء المعربين . والذي ذكره سيبويه : أنها حرف لما كان سيقع لوقوع الأول . ويفسد قول أولئك الضعفاء قولهم : لو كان إنساناً لكان حيواناً ، فالحيوانية لا تمتنع لامتناع الإنسانية . ثم قال : ويجوز أن يقال : إن هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة ، وأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب ، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمطعوم ، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب . والظاهر أن * ( شَجَرَتَهَا ) * ، المراد منه الشجر الذي يقدح منه النار . وقيل : المراد بالشجرة نفس النار ، كأنه يقول : نوعها أو جنسها ،
تفسير البحر المحيط — صفحة 211
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢١١