تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
توبيخ لهم ، والذي هم عليه باطل واعتراض بين الجملتين ، أي يفعلون هذه القبائح ؛ والهدى قد جاءهم ، فكانوا أولى من يقبله ويترك عبادة من لا يجدي عبادته . * ( أَمْ لِلإنسَانِ مَا تَمَنَّى ) * : هو متصل بقوله : * ( وَمَا تَهْوَى الاْنفُسُ ) * ، بل للإنسان ، والمراد به الجنس ، * ( مَا تَمَنَّى ) * : أي ما تعلقت به أمانيه ، أي ليست الأشياء والشهوات تحصل بالأماني ، بل لله الأمر . وقولكم : إن آلهتكم تشفع وتقرب زلفى ، ليس لكم ذلك . وقيل : أمنيتهم قولهم : * ( وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَى ) * . وقيل : قول الوليد بن المغيرة : * ( لاَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ) * . وقيل : تمنى بعضهم أن يكون النبي . * ( فَلِلَّهِ الاْخِرَةُ والاْولَى ) * : أي هو مالكهما ، فيعطي منهما ما يشاء ، ويمنع من يشاء ، وليس لأحد أن يبلغ منهما إلا ما شاء الله . وقدّم الآخرة على الأولى ، لتأخرها في ذلك ، ولكونها فاصلة ، فلم يراع الترتيب الوجودي ، كقوله : * ( وَإِنَّ لَنَا لَلاْخِرَةَ وَالاْولَى ) * . * ( وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى * السَّمَاوَاتِ * لاَ تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى * إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الاْنثَى * وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيْئاً * فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى * وَللَّهِ مَا فِى * السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ * لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الاْرْضِ وَإِذْ ) * . * ( وَكَمْ ) * : هي خبرية ، ومعناها هنا : التكثير ، وهي في موضع رفع بالابتداء ، والخبر * ( لاَ تُغْنِى ) * ؛ والغنى : جلب النفع ودفع الضر ، بحسب الأمر الذي يكون فيه الغنى . وكم لفظها مفرد ، ومعناها جمع . وقرأ الجمهور : * ( شَفَاعَتُهُمْ ) * ، بإفراد الشفاعة وجمع الضمير ؛ وزيد بن علي : شفاعته ، بإفراد الشفاعة والضمير ؛ وابن مقسم : شفاعاتهم ، بجمعهما ، وهو اختيار صاحب الكامل ، أي القاسم الهذلي . وأفردت الشفاعة في قراءة الجمهور لأنها مصدر ، ولأنهم لو شفع جميعهم لواحد ، لم تغن شفاعتهم عنه شيئاً . فإذا كانت الملائكة المقربون لا تغني شفاعتهم إلا بعد إذن الله ورضاه ، أي يرضاه أهلاً للشفاعة ، فكيف تشفع الأصنام لمن يعبدها ؟ * ( الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الاْنثَى ) * : كونهم يقولون إنهم بنات الله ، * ( وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ ) * : هم العرب منكر والبعث . * ( وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيْئاً ) * : أي ما يدركه العلم لا ينفع فيه الظن ، وإنما يدرك بالعلم واليقين . قيل : ويحتمل أن يكون المراد بالحق هنا هو الله تعالى ، أي الأوصاف الإلهية لا تستخرج بالظنون ، ويدل عليه ذلك بأن الله هو الحق . * ( فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا ) * ، موادعة منسوخة بآية السيف . * ( وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا ) * : أي لم تتعلق إرادته بغيرها ، فليس له فكر في سواها ، كالنضر بن الحارث والوليد بن المغيرة . والذكر هنا : القرآن ، أو الإيمان ، أو الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، أقوال . * ( عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا ) * : هو سبب الأعراض ، لأن من لا يصغي إلى قول ، كيف يفهم معناه ؟ فأمر صلى الله عليه وسلم ) بالإعراض عن من هذه حاله ، ثم ذكر سبب التولي عن الذكر ، وهو حصر إرادته في الحياة الدنيا . فالتولي عن الذكر سبب للإعراض عنهم ، وإيثار الدنيا سبب التولي عن الذكر ، وذلك إشارة إلى تعلقهم بالدنيا وتحصيلها . * ( مَبْلَغُهُمْ ) * : غايتهم ومنتهاهم من العلم ، وهو ما تعلقت به علومهم من مكاسب الدنيا ، كالفلاحة والصنائع ، لقوله تعالى : * ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا ) * . ولما ذكر ما هم عليه ، أخبر تعالى بأنه عالم بالضال والمهتدي ، وهو مجازيهما . وقال الزمخشري : وقوله : * ( ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ الْعِلْمِ ) * : اعتراض . انتهى ، وكأنه يقول : هو اعتراض بين * ( فَأَعْرَضَ ) * وبين * ( إِنَّ رَبَّكَ ) * ، ولا يظهر هذا الذي يقوله من الاعتراض . وقيل : ذلك إشارة إلى جعلهم الملائكة بنات الله . وقال الفراء : صغر رأيهم وسفه أحلامهم ، أي غاية عقولهم ونهاية علومهم أن آثروا الدنيا على الآخرة . وقيل : ذلك إشارة إلى الظن ، أي غاية ما يفعلون أن يأخذوا بالظن . وقوله : * ( إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ) * في معرض التسلية ،
تفسير البحر المحيط — صفحة 161 | أبي حيان الأندلسي / الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض / زكريا عبد المجيد النوقي و أحمد النجولي الجمل