والعامل في * ( الْمُرْسَلِينَ إِذْ ) * . قيل : أذكر مضمرة . وقيل * ( عَجَبًا ) * ، ومعنى * ( أَوَى ) * جعلوه مأوى لهم ومكان اعتصام ، ثم دعوا الله تعالى أن يؤتيهم رحمة من عنده وفسرها المفسرون بالرزق . وقال الزمخشري : هي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء . و * ( الْفِتْيَةُ ) * جمع فتي جمع تكسير جمع قلة ، وكذلك كانوا قليلين . وعند ابن السراج أنه اسم جمع لا جمع تكسير . ولفظ * ( الْفِتْيَةُ ) * يشعر بأنهم كانوا شباباً وكذا روي أنهم كانوا شباباً من أبناء الأشراف والعظماء مطوقين مسورين بالذهب ذوي ذوائب وهم من الروم ، اتبعوا دين عيسى عليه السلام . وقيل : كانوا قبل عيسى وأصحابنا الأندلسيون تكثر في ألفاظهم تسمية نصاري الأندلس بالروم في نثرهم ونظمهم ومخاطبة عامتهم ، فيقولون : غزونا الروم ، جاءنا الروم . وقل من ينطق بلفظ النصاري ، ولما دعوا بإيتاء الرحمة وهي تتضمن الرزق وغيره ، دعوا الله بأن يهيء لهم من أمرهم الذي صاروا إليه من مفارقة دين أهليهم وتوحيد الله رشداً وهي الاهتداء والديمومة عليه .
وقال الزمخشري : واجعل * ( أَمْرِنَا رَشَدًا ) * كله كقولك رأيت منك أسداً . وقرأ أبو جعفر وشيبة والزهري : وهي ويهيي بياءين من غير همز ، يعني أنه أبدل الهمزة الساكنة ياء . وفي كتاب ابن خالويه الأعشى عن أبي بكر عن عاصم : وهيء لنا ويهي لكم لا يهمز انتهى . فاحتمل أن يكون أبدل الهمزة ياءً ، واحتمل أن يكون حذفها فالأول إبدال قياسي ، والثاني مختلف فيه ينقاس حذف الحرف المبدل من الهمزة في الأمر أو المضارع إذا كان مجزوماً . وقرأ أبو رجاء : رشد بضم الراء وإسكان الشين . وقرأ الجمهور * ( رَشَدًا ) * بفتحهما . قال ابن عطية : وهي أرجح لشبهها بفواصل الآيات قبل وبعد ، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم وألفاظه تقتضي ذلك ، وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتهما ، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه هذه الآية فإنها كافية ، ويحتمل ذكر الرحمة أن يراد بها أمر الآخرة انتهى .
* ( فَضَرَبْنَا عَلَىءاذَانِهِمْ ) * استعارة بديعة للإنامة المستثقلة التي لا يكاد يسمع معها ، وعبر بالضرب ليدل على قوة المباشرة واللصوق واللزوم ومنه * ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلَّةُ ) * وضرب الجزية وضرب البعث . وقال الفرزدق :
* ضربت عليك العنكبوت بنسجها
*
وقضي عليك به الكتاب المنزل
*
وقال الأسود بن يعفر
* ومن الحوادث لا أبا لك أنني
*
ضربت على الأرض بالأسداد وقال آخر :
إن المروءة والسماحة والندي في قبة ضربت على ابن الحشرج استعير للزوم هذه الأوصاف لهذا الممدوح ، وذكر الجارحة التي هي الآذان إذ هي يكون منها السمع لأنه لا يستحكم نوم إلاّ مع تعطل السمع . وفي الحديث : ( ذلك رجل بال الشيطان في أذنه ) أي استثقل نومه جداً حتى لا
تفسير البحر المحيط — صفحة 99
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٩٩