وأصحابه ، وكان مالك لا يلاعن عن إلاّ أن يقول : رأيتك تزنين أو ينفي حملاً بها أو ولد منها والأعمى يلاعن . وقال الليث : لا يلاعن إلاّ أن يقول : رأيت عليها رجلاً أو يكون استبرأها ، فيقول : ليس هذا الحمل مني ولم تتعرض الآية في اللعان إلاّ لكيفيته من الزوجين . وقد أطال المفسرون الزمخشري وابن عطية وغيرهما في ذكر كثير من أحكام اللعان مما لم تتعرض له الآية وينظر ذلك في كتب الفقه .
وقرأ الجمهور * ( أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ ) * بالنصب على المصدر . وارتفع * ( فَشَهَادَةُ ) * خبراً على إضمار مبتدأ ، أي فالحكم أو الواجب أو مبتدأ على إضمار الخبر متقدماً أي فعليه أن يشهد أو مؤخراً أي كافيه أو واجبه . و * ( بِاللَّهِ ) * من صلة * ( شَهَادَاتٍ ) * ويجوز أن يكون من صلة * ( فَشَهَادَةُ ) * قاله ابن عطية ، وفرغ الحوفي ذلك على الأعمال ، فعلى رأي البصريين واختيارهم يتعلق بشهادات ، وعلى اختيار الكوفيين يتعلق بقوله * ( فَشَهَادَةُ ) * . وقرأ الأخوان وحفص والحسن وقتادة والزعفراني وابن مقسم وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو بحرية وأبان وابن سعدان * ( أَرْبَعُ ) * بالرفع خبر للمبتدأ ، وهو * ( فَشَهَادَةُ ) * و * ( بِاللَّهِ ) * من صلة * ( شَهَادَاتٍ ) * على هذه القراءة ، ولا يجوز أن يتعلق بفشهادة للفصل بين المصدر ومعموله بالجر ولا يجوز ذلك .
وقرأ الجمهور * ( وَالْخَامِسَةَ ) * بالرفع فيهما . وقرأ طلحة والسلمي والحسن والأعمش وخالد بن أياس ويقال ابن إلياس بالنصب فيهما . وقرأ حفص والزعفراني بنصب الثانية دون الأولى ، فالرفع على الابتداء وما بعده الخبر ، ومن نصب الأولى فعطف على * ( أَرْبَعُ ) * في قراءة من نصب * ( أَرْبَعُ ) * ، وعلى إضمار فعل يدل عليه المعنى في قراءة من رفع * ( أَرْبَعُ ) * أي وتشهد * ( * الخامسة ) * ومن نصب الثانية فعطف على * ( أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ ) * وعلى قراءة النصب في * ( * الخامسة ) * يكون * ( حَمِيمٍ ءانٍ ) * بعده على إسقاط حرف الجر ، أي بأن ، وجوّز أن يكون * ( ءانٍ ) * وما بعده بدلاً من * ( * الخامسة ) * . وقرأ نافع * ( بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ) * بتخفيف * ( ءانٍ ) * ورفع * ( لَّعْنَةُ ) * و * ( أَنَّ غَضَبَ ) * بتخفيف * ( ءانٍ ) * و * ( غَضَبَ ) * فعل ماض والجلالة بعد مرفوعة ، وهي ان المخففة من الثقيلة لما خففت حذف اسمها وهو ضمير الشأن . وقرأ أبو رجاء وقتادة وعيسى وسلام وعمرو بن ميمون والأعرج ويعقوب بخلاف عنهما ، والحسن * ( أَن لَّعْنَةُ ) * كقراءة نافع ، و * ( أَنَّ غَضَبَ ) * بتخفيف * ( ءانٍ ) * و * ( غَضَبَ ) * مصدر مرفوع وخبر ما وبعده وهي أن المخففة من الثقيلة . وقرأ باقي السبعة * ( أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ ) * و * ( أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ ) * بتشديد * ( ءانٍ ) * ونصب ما بعدهما اسماً لها وخبر ما بعد . قال ابن عطية : و * ( ءانٍ ) * الخفيفة على قراءة نافع في قوله * ( أَنَّ غَضَبَ ) * قد وليها الفعل .
قال أبو علي : وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل إلاّ أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله * ( عَلِمَ أَن سَيَكُونُ ) * وقوله * ( أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا * لاَ يَرْجِعُونَ ) * وأما قوله تعالى * ( وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ) * فذلك لعلة تمكن ليس في الأفعال . وأما قوله * ( أَن بُورِكَ مَن فِى النَّارِ ) * فبورك على معنى الدعاء فلم يجر دخول الفواصل لئلا يفسد المعنى انتهى . ولا فرق بين * ( أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ ) * و * ( أَن بُورِكَ ) * في كون الفعل بعد أن دعاء ، ولم يبين ذلك ابن عطية ولا الفارسي ، ويكون غضب دعاء مثل النحاة أنه إذا كان الفعل دعاء لا يفصل بينه وبين أن بشيء ، وأورد ابن عطية * ( أَنَّ غَضَبَ ) * في قراءة نافع مورد المستغرب .
* ( وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ ) * أي يدفع و * ( الْعَذَابَ ) * قال الجمهور الحد . وقال أصحاب الرأي لا حد عليها إن لم يلاعن ولا يوجبه عليها قول الزوج . وحكى الطبري عن آخرين أن * ( الْعَذَابَ ) * هو الحبس ، والظاهر الاكتفاء في اللعان بهذه الكيفية المذكورة في الآية وبه قال الليث ، ومكان ضمير الغائب ضمير المتكلم في شهادته مطلقاً وفي شهادتها في قوله عليها تقول عليّ . فقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف : يقول بعد * ( مِنَ الصَّادِقِينَ ) * فيما رماها به من الزنا وكذا بعد من الكاذبين ، وكذا هي بعد من الكاذبين و * ( مِنَ الصَّادِقِينَ ) * فإن كان هناك ولد ينفيه زاد بعد قوله فيما رماها به من الزنا في نفي الولد . وقال مالك : يقول أشهد بالله أني رأيتها تزني وهي أشهد بالله ما رآني أزني ، والخامسة تقول ذلك أربعاً و * ( * الخامسة ) * لفظ الآية .
وقال الشافعي : يقول أشهد بالله أني لصادق فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان ، ويشير إليها إن كان حاضرة أربع مرات ، ثم يقعد الإمام ويذكره الله تعالى فإن رآه يريد أن يمضي أمر من يضع يده على فيه ويقول : إن قولك وعليّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة من الزنا ، فإن قذفها بأحد يسميه بعينه واحد أو اثنين في كل شهادة ، وإن نفي ولدها زاد وأن
تفسير البحر المحيط — صفحة 399
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٩٩