الأصنام ، إذ لكفار قريش أن تقول : نحن نؤمن بآيات ربنا ونصدق بأنه المخترع الخالق . وقيل : ليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشرك لله لأن ذلك داخل في قوله * ( وَالَّذِينَ هُم بِئَايَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ ) * المراد نفي الشرك للحق وهو أن يخلصوا في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله وطلب رضوانه . وقرأ الجمهور * ( يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ ) * أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات * ( وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) * أي خائفة أن لا يقبل منهم لتقصيرهم أنهم أي وجلة لأجل رجوعهم إلى الله أي خائفة لأجل ما يتوقعون من لقاء الجزاء . قال ابن عباس وابن جبير : هو عام في جميع أعمال البر كأنه قال : والذين يفعلون من أنفسهم في طاعة الله ما بلغه جهدهم . وقرأت عائشة وابن عباس وقتادة والأعمش والحسن والنخعي يأتون ما أتوا من الإتيان أي يفعلون ما فعلوا قالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) : هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر ، وهو على ذلك يخاف الله قال : ( لا يا ابنة الصديق ولكنه هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل ) . قيل : وجل العارف من طاعته أكثر من مخالفته لأن المخالفة تمحوها التوبة والطاعة تطلب التصحيح . وقال الحسن : المؤمن يجمع إحساناً وشفقة ، والمنافق يجمع إساءة وأمناً . وقرأ الأعمش * ( أَنَّهُمْ ) * بالكسر . وقال أبو عبد الله الرازي ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن لأن الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز ، والثانية على تحصيل الإيمان بالله ، والثالثة على ترك الرياء في الطاعة ، والرابعة على أن المستجمع لهذه الصفات الثلاثة يأتي بالطاعات مع خوف من التقصير وهو نهاية مقامات الصديقين انتهى .
* ( أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ ) * جملة في موضع خبر أن . قال ابن زيد * ( الخَيْرَاتِ ) * المخافتة والإيمان والكف عن الشرك . قال الزمخشري : * ( يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْراتِ ) * يحتمل معنيين أحدهما أن يراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها ، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا المنافع ، ووجوه الإكرام كما قال * ( فَاتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الاْخِرَةِ ) * * ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ) * لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها ، وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين انتهى . وقرأ الحر النحوي : يسرعون مضارع أسرع ، يقال أسرعت إلى الشيء وسرعت إليه بمعنى واحد ، وأما المسارعة فالمسابقة أي يسارعون غيرهم . قال الزجاج * ( يُسَارِعُونَ ) * أبلغ من يسرعون انتهى . وجهة المبالغة أن المفاعلة تكون من اثنين فتقتضي حث النفس على السبق لأن من عارضك في شيء تشتهي أن تغلبه فيه .
* ( وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) * الظاهر أن الضمير في * ( لَهَا ) * عائد على * ( الخَيْرَاتِ ) * أي سابقون إليها تقول : سبقت لكذا وسبقت إلى كذا ، ومفعول * ( سَابِقُونَ ) * محذوف أي سابقون الناس ، وتكون الجملة تأكيداً للتي قبلها مفيدة تجدد الفعل بقوله * ( يُسَارِعُونَ ) * وثبوته بقوله * ( سَابِقُونَ ) * وقيل اللام للتعليل أي لأجلها سابقون الناس إلى رضا الله . وقال الزمخشري * ( لَهَا سَابِقُونَ ) * أي فاعلون السبق لأجلها ، أو سابقون الناس لأجلها انتهى . وهذان القولان عندي واحد . قال أيضاً أو إياها سابقون أي ينالوها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا انتهى . ولا يدل لفظ * ( لَهَا سَابِقُونَ ) * على هذا التفسير لأن سبق الشيء الشيء يدل على تقدم السابق على المسبوق ، فكيف يقال لهم وهم يسبقون الخيرات هذا لا يصح . وقال أيضاً : ويجوز أن كون * ( لَهَا سَابِقُونَ ) * خبراً بعد خبر ومعنى وهم لها كمعنى قوله أنت لها انتهى . وهذا مروي عن ابن عباس . قال : المعنى سبقت لهم السعادة في الأزل فهم لها ، ورجحه الطبري بأن اللام متمكنة في المعنى انتهى . والظاهر القول الأول وباقيها متعسف وتحميل للفظ غير ظاهره . وقيل : الضمير في * ( لَهَا ) * عائد على لجنة . وقيل : على الأمم .
* ( وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) * تقدم الكلام على نظير هذه الجملة في آخر البقرة * ( وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقّ ) * أي كتاب فيه إحصاء أعمال الخلق يشير إلى الصحف الت يقرؤون فيها ما ثبت لهم في اللوح المحفوظ . وقيل : القرآن .
* ( بَلْ قُلُوبُهُمْ
تفسير البحر المحيط — صفحة 379
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٧٩