تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
العافية والكفاية ، وقيل : الرضا بالقضاء ، ذكرهما الماوردي . وقال الزمخشري : المؤمن مع العمل الصالح إنْ كان موسراً فلا مقال فيه ، وإن كان معسراً فمعه ما يطيب عيشه ، وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى . والفاجر إن كان معسراً فلا إشكال في أمره ، وإن كان موسراً فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه . وقال ابن عطية : طيب الحياة للصالحين بانبساط نفوسهم ونيلها وقوة رجائهم ، والرجاء للنفس أمر ملذ ، وبأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم ، فإن انضاف إلى هذا مال حلال وصحة وقناعة فذاك كمال ، وإلا فالطيب فيما ذكرنا راتب . وعاد الضمير في فلنحيينه على لفظة من مفرداً ، وفي ولنجزينهم على معناها من الجمع ، فجمع . وروي عن نافع : وليجزينهم بالياء بدل النون ، التفت من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة . وينبغي أن يكون على تقدير قسم ثان لا معطوفاً على فلنحيينه ، فيكون من عطف جملة قسمية على جملة قسمية ، وكلتاهما محذوفتان . ولا يكون من عطف جواب على جواب ، لتغاير الإسناد ، وإفضاء الثاني إلى إخبار المتكلم عن نفسه بإخبار الغائب ، وذلك لا يجوز . فعلى هذا لا يجوز : زيد قلت والله لأضربن هنداً ولينفينها ، يريد ولينفيها زيد . فإنْ جعلته على إضمار قسم ثان جاز أي : وقال زيد لينفينها لأن ، لك في هذا التركيب أن تحكى لفظه ، وأن تحكى على المعنى . فمن الأول : * ( وَلَيَحْلِفَنَّ * بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ * الْحُسْنَى ) * ومن الثاني : * ( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ ) * ولو جاء على اللفظ لكان ما قلنا . * ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ * وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبّكَ بِالْحَقّ لِيُثَبّتَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَاذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ ) * : لما ذكر تعالى : * ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء ) * وذكر أشياء مما بين في الكتاب ، ثم ذكر قوله : * ( مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً ) * ذكر ما يصون به القارئ قراءته من وسوسة الشيطان ونزغه ، فخاطب السامع بالاستعادة منه إذا أخذ في القراءة . فإن كان الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ) لفظاً فالمراد أمته ، إذ كانت قراءة القرآن من أجل الأعمال الصالحة كما ورد في الحديث : * ( ءانٍ * ثَوَابَ * فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) * والظاهر بعقب الاستعاذة . وقد روى ذلك بعض الرواة عن حمزة ، وروي عن ابن سيرين أنه قال : كلما قرأت الفاتحة حين تقول : آمين ، فاستعذ . وروي عن أبي هريرة ، ومالك ، وداود . تعقبها القراءة كما روي عن حمزة والجمهور : على ترك هذا الظاهر وتأويله بمعنى : فإذا أردت القراءة . قال الزمخشري : لأنّ الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه ، فكان بسبب قوى وملابسة ظاهرة كقوله : * ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ) * وكقوله : ( إذا أكلت فسم الله ) وقال ابن عطية : فإذا وصلة بين الكلامين والعرب تستعملها في مثل هذا ، وتقدير الآية : فإذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ ، أمر بالاستعاذة . فالجمهور على الندب ، وعن عطاء الوجوب . والظاهر : طلب الاستعاذة عند القراءة مطلقاً ، والظاهر : أنّ الشيطان المراد به إبليس وأعوانه . وقيل : عام في كل متمرد عاتٍ من جن وإنس ، كما قال شياطين الإنس والجن . واختلف في كيفية الاستعاذة ، والذي صار إليه الجمهور من القراء وغيرهم واختاروه : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، لما روى عبد الله بن مسعود ، وأبو هريرة ، وجبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم ) : ( أنه استعاذ عند القراءة بهذا اللفظ بعينه ) ونفى تعالى سلطان الشيطان عن المؤمنين . والسلطان هنا التسليط والولاية ، والمعنى : أنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته كما قال تعالى : * ( إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) * وكما أخبر تعالى عنه