ودّ ، ولما كان المستقبل في إخبار الله لتحقق وقوعه كالماضي ، فكأنه قيل : ود ، وليس ذلك بلازم ، بل قد تدخل على المستقبل لكنه قليل بالنسبة إلى دخولها على الماضي . ومما وردت فيه للمستقبل قول سليم القشيري :
* ومعتصم بالجبن من خشية الردى
*
سيردي وغاز مشفق سيؤب
*
وقول هند أم معاوية :
* يا رب قائلة غدا
*
يا لهف أم معاوية
*
وقول جحدر :
* فإن أهلك فرب فتى سيبكي
*
عليّ مهذب رخص البنان
*
في عدة أبيات . وقول أبي عبد الله الرازي : أنهم اتفقوا على أنّ كلمة رب مختصة بالدخول على الماضي لا يصح ، فعلى هذا لا يكون يودّ محتاجاً إلى تأويل . وأما من تأول ذلك على إضمار كان أي : ربما كان يودّ فقوله ضعيف ، وليس هذا من مواضع إضمار كان . ولما كان عند الزمخشري وغيره أنّ رب للتقليل احتاجوا إلى تأويل مجيء رب هنا ، وطول الزمخشري في تأويل ذلك . ومن قال : إنها للتكثير ، فالتكثير فيها هنا ظاهر ، لأنّ ودادتهم ذلك كثيرة . ومن قال : إنّ التقليل والتكثير إنما يفهم من سياق الكلام لا من موضوع رب ، قال : دل سياق الكلام على الكثرة . وقيل : تدهشهم أهوال ذلك اليوم فيبقون مبهوتين ، فإن كانت منهم إفاقة في بعض الأوقات من سكرتهم تمنوا ، فلذلك قلل . وقرأ عاصم ، ونافع : ربما بتخفيف الباء ، وباقي السبعة بتشديدها . وعن أبي عمر : والوجهان . وقرأ طلحة بن مصرف ، وزيد بن علي ، ريتما بزيادة تاء . ومتى يودون ذلك ؟ قيل : في الدنيا . فقال الضحاك : عند معاينة الموت . وقال ابن مسعود : هم كفار قريش ودّوا ذلك في يوم بدر حين رأوا الغلبة للمسلمين . وقيل : حين حل بهم ما حل من تملك المسلمين أرضهم وأموالهم ونساءهم ، ودُّوا ذلك قبل أن يحل بهم ما حل . وقيل : ودوا ذلك في الآخرة إذا أخرج عصاة المسلمين من النار قاله : ابن عباس ، وأنس بن مالك ، ومجاهد ، وعطاء ، وأبو العالية ، وإبراهيم ، ورواه أبو موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
وقرأ الرسول هذه الآية ، وقيل : حين يشفع الرسول ويشفع حتى يقول : من كان من المسلمين فليدخل الجنة ، ورواه مجاهد عن ابن عباس . وقيل : إذا عاينوا القيامة ذكره الزجاج . وقيل : عند كل حالة يعذب فيها الكافر ويسلم المؤمن ، ذكره ابن الأنباري . ثم أمر تعالى نبيه بأن ينذرهم ، وهو أمر وعيد لهم وتهديد أي : ليسوا ممن يرعوي عن ما هو فيه من الكفر والتكذيب ، ولا ممن تنفعه النصيحة والتذكير ، فهم إنما حظهم حظ البهائم من الأكل والتمتع بالحياة الدنيا والأمل في تحصيلها ، هو الذي يلهيهم ويشغلهم عن الإيمان بالله ورسوله . وفي قوله : يأكلوا ويتمتعوا ، إشارة إلى أنّ التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للموت والتأهب له ليس من أخلاق من يطلب النجاة من عذاب الله في الآخرة ، وعن بعض العلماء : التمتع في الدنيا من أخلاق الهالكين . وقال الحسن : ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل . وانجزم يأكلوا ، وما عطف عليه جواباً للأمر . ويظهر أنه أمر
تفسير البحر المحيط — صفحة 433
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٣٣