لَّكُمْ ) * فحذف المنعوت وأقيم النعت مقامه ، ويكون الضمير العائد على * ( مَا ) * محذوفاً أي ما لم نمكنه لكم وهذا لا يجوز ، لأن * ( مَا ) * بمعنى الذي لا يكون نعتاً للمعارف وإن كان مدلولها مدلول الذي ، بل لفظ الذي هو الذي يكون نعتاً للمعارف لو قلت ضربت الضرب ما ضرب زيد تريد الذي ضرب زيد لم يجز ، فلو قلت : الضرب الذي ضربه زيد جاز وجوزوا أيضاً أن يكون نكرة صفة لمصدر محذوف تقديره تمكيناً لم نمكنه لكم ، وهذا أيضاً لا يجوز لأن * ( مَا ) * النكرة الصفة لا يجوز حذف موصوفها ، لو قلت : قمت ما أو ضربت ما وأنت تريد قمت قياماً ما وضربت ضرباً ما لم يجز ، وهذان الوجهان أجازهما الحوفي وأجاز أبو البقاء أن يكون * ( مَا ) * مفعولاً به بتمكن على المعنى ، لأن المعنى أعطيناهم ما لم نعطكم ، وهذا الذي أجازه تضمين والتضمين لا ينقاس ، وأجاز أيضاً أن تكون * ( مَا ) * مصدرية والزمان محذوف أي مد * ( مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ ) * ويعني مدة انتفاء التمكين لكم ، وأجاز أيضاً أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها أي شيئاً لم نمكنه لكم ، وحذف العائد من الصفة على الموصوف وهذا أقرب إلى الصواب وتعدى مكن هنا للذوات بنفسه وبحرف الجر ، والأكثر تعديته باللام * ( مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الاْرْضِ ) * * ( إِنَّمَا * مَكَّنَّا لَهُ فِى الاْرْضِ ) * أو لم نمكن لهم . وقال أبو عبيد * ( مَّكَّنَّاهُمْ ) * ومكنا لهم لغتان فصيحتان ، كنصحته ونصحت له والإرسال والإنزال متقاربان في المعنى لأن اشتقاقه من رسل اللبن ، وهو ما ينزل من الضرع متتابعاً و * ( السَّمَاء ) * السماء المظلة قالوا : لأن المطر ينزل منها إلى السحاب ، ويكون على حذف مضاف أي مطر * ( السَّمَاء ) * ويكون * ( مُّدْرَاراً ) * حالاً من ذلك المضاف المحذوف . وقيل : * ( السَّمَاء ) * المطر وفي الحديث : ( في أثر سماء كانت من الليل ) ، وتقول العرب : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم ، يريدون المطر وقال الشاعر :
* إذا نزل السماء بأرض قوم
*
رغيناه وإن كانوا غضبانا
*
* ( * ومدراراً ) * على هذا حال من نفس * ( فِى السَّمَاء ) * . وقيل : * ( السَّمَاء ) * هنا السحاب ويوصف بالمدرار ، فمدراراً حال منه * ( * ومدرارا ) * يوصف به المذكر والمؤنث وهو للمبالغة في اتصال المطر ودوامة وقت الحاجة ، لا إنها ترفع ليلاً ونهاراً فتفسد قاله ابن الأنباري . ولأن هذه الأوصاف إنما ذكرت لتعديد النعم عليهم ومقابلتها بالعصيان ، * ( مَّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الاْنْهَارَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ ) * تقدّم ذكر كيفية جريان الأنهار من التحت في أوائل البقرة . وقد أعرب من فسر * ( الانْهَارَ ) * هنا بالخيل كما قيل في قوله : * ( وَهَاذِهِ الاْنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى ) * وإذا كان الفرس سريع العدو واسع الخطو وصف بالبحر وبالنهر ، والمعنى أنه تعالى مكنهم التمكين البالغ ووسع عليهم الرزق فذكر سببه وهو تتابع الأمطار على قدر حاجاتهم وإمساك الأرض ذلك الماء ، حتى صارت الأنهار تجري من تحتهم فكثر الخصب فأذنبوا فأهلكوا بذنوبهم ، والظاهر أن الذنوب هنا هي كفرهم وتكذيبهم برسل الله وآياته ، والإهلاك هنا لا يراد به مجرد الإفناء والإماتة بل المراد الإهلاك الناشئ عن الذنوب والأخذ به كقوله تعالى : * ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاْرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ ) * ، لأن الإهلاك بمعنى الإماتة مشترك فيه الصالح والطالح ، وفائدة ذكر إنشاء قرن * ( ءاخَرِينَ ) * بعدهم ، إظهار القدرة التامّة على إفناء ناس وإنشاء ناس فهو تعالى لا يتعاظمه أن يهلك * ( قَرْناً ) * ويخرب بلاده وينشىء مكانه آخر يعمر بلاده وفيه تعريض للمخاطبين ، بإهلاكهم إذا عصوا كما أهلك من قبلهم ووصف قرناً * ( بِاخَرِينَ ) * وهو جمع حملاً على معنى قرن ، وكان الحمل على المعنى
تفسير البحر المحيط — صفحة 81
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٨١