الرَّحْمَةِ ) * جاعل نفع الخلائق بعضهم ببعض . وقال الزمخشري : * ( ذُو الرَّحْمَةِ ) * يترحم عليهم بالتكليف ليعرضهم للمنافع الدائمة .
* ( وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَا أَنشَأَكُمْ ) * هذا فيه إظهار القدرة التامة والغنى المطلق والخطاب عام للخلق كلهم ، كما قال : * ( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) * أيها الناس ويأت بآخرين فالمعنى إن يشأ إفناء هذا العالم واستخلاف ما يشاء من الخلق غيرهم فعل ، والإذهاب هنا الإهلاك إهلاك الاستئصال لا الإماتة ناساً بعد ناس لأن ذلك واقع فلا يعلق الواقع على أن يشأ . وقيل : الخطاب لأهل مكة . وقال عطاء : يعني الأنصار والتابعين . وقيل : * ( يُذْهِبْكُمْ ) * أيها العصاة * ( وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء ) * من النوع الطائع و * ( كَمَا أَنشَأَكُمْ ) * في موضع مصدر على غير الصدر لقوله : * ( وَيَسْتَخْلِفُ ) * لأن معناه وينشىء والمعنى إن يشأ الإذهاب والاستخلاف يذهبكم ويستخلف فكل من الإذهاب والاستخلاف معذوق بمشيئته و * ( مِنْ ) * لابتداء الغاية . وقال ابن عطية : للتبعيض . وقال الطبري : وتبعه مكي هي بمعنى أخذت من ثوبي ديناراً بمعنى عنه وعوضه ؛ انتهى ، يعني إنها بدلية والمعنى من أولاد قوم متقدّمين أصلهم آدم عليه السلام . وقال الزمخشري : من أولاد * ( قَوْمٍ ءاخَرِينَ ) * لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح ؛ انتهى . ويعني أنكم * ( مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ) * صالحين فلو شاء أذهبكم أيها العصاة ويستخلف بعدكم طائعين ، كما أنكم عصاة أنشأكم من قوم طائعين وما في قوله : * ( مَا يَشَاء ) * قيل بمعنى من والأولى إن كان المقدار استخلافه من غير العاقل فهي واقعة موقعها وإن كان عاقلاً فيكون قد أريد بها النوع . وقرأ زيد بن ثابت * ( ذُرّيَّةِ ) * بفتح الذال وكذا في آل عمران وأبان بن عثمان * ( ذُرّيَّةِ ) * بفتح الذال وتخفيف الراء المكسورة وعند * ( ذُرّيَّةِ ) * على وزن ضربة وتضمنت هذه الآية التحذير من بطش الله في التعجيل بذلك .
* ( إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لأَتٍ ) * ظاهر ما العموم في كل ما يوعد به . وقال الحسن : من مجيء الساعة لأنهم كانوا يكذبون بها . وقيل : من الوعد والوعيد . وقيل : من النصر للرسول لكائن . وقيل : من العذاب * ( * الآتي ) * يوم القيامة . وقيل : من الوعد يوم القيامة لقرينة * ( لأَتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ) * والإشارة إلى هذا الوعيد المتقدّم خصوصاً وإما أن يكون للعموم مطلقاً فذلك يتضمن إنفاذ الوعيد والعقائد تردد ذلك ؛ انتهى . وقال أبو عبد الله الرازي : الوعد مخصوص بالإخبار عن الثواب فهو آت لا محالة ، فتخصيص الوعد بهذا الجزم يدل على أن جانب الوعيد ليس كذلك ويقوي هذا الوجه أنه قال : * ( وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ) * أي لا تخرجون عن قدرتنا وحكمتنا فلما ذكر الوعد جزم ، ولما ذكر الوعيد ما زاد على * ( وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ) * وذلك يدل على أن جانب الرحمة غالب فتلخص في قوله : * ( مَّا تُوعَدُونَ ) * العموم ويخرج منه ما خرج بالدليل أو يراد به الخصوص من الحشر أو النصر أو الوعيد أو الوعد أي بلازمهما من الثواب أو العقاب أو مجموعهما ستة أقوال . وكتبت أن مفصولة من ما وما بمعنى الذي وفي هذه الجملة إشعار بقصر الأمل وقرب الأجل والمجازاة على العمل .
* ( وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ) * أي فائتين أعجزني الشيء : فاتني أي لا يفوتنا عن ما أردنا بكم . قال ابن عطية : معناه بناجين وهنا تفسير باللازم .
* ( قُلْ ياأَهْلَ * قَوْمٌ * اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) * قرأ أبو بكر على مكاناتكم على الجمع حيث وقع فمن جمع قابل جمع المخاطبين بالجمع ومن أفرد فعلى الجنس والمكانة ، مصدر مكن فالميم أصلية وبمعنى المكان ويقال : المكان والمكانة مفعل ومفعلة من الكون فالميم زائدة فيحتمل أن يكون المعنى على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، قال معناه الزجاج ، ويحتمل أن يكون المعنى على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها ، يقال : على مكانتك يا فلان إذا أمرته أن يثبت على حاله أي
تفسير البحر المحيط — صفحة 228
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٢٨