إقرار * ( حَيْثُ ) * على الظرفية المجازية على أن تضمن * ( أَعْلَمُ ) * معنى ما يتعدى إلى الظرف فيكون التقدير الله أنفذ علماً * ( حَيْثُ يَجْعَلُ ) * أي هو نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالته ، والظرفية هنا مجاز كما قلنا وروى * ( السَّاحِرُ حَيْثُ ) * بالفتح . فقيل : حركة بناء . وقيل : حركة إعراب ويكون ذلك على لغة بني فقعس فإنهم يعربون * ( حَيْثُ ) * حكاها الكسائي . وقرأ ابن كثير وحفص رسالته بالتوحيد وباقي السبعة على الجمع .
* ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ ) * هذا وعيد شديد وعلق الإصابة بمن أجرم ليعم الأكابر وغيرهم ، والصغار الذل والهوان يقال : منه صغر يصغر وصغر يصغر صغراً وصغاراً واسم الفاعل صاغر وصغير وأرض مصغر لم يطل نبتها ، عن ابن السكيت وقابل الأكبرية بالصغار والعذاب الشديد من الأسر والقتل في الدنيا والنار في الآخرة وإصابة ذلك لهم بسبب مكرهم في قوله : * ( لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ) * وقوله : * ( وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ ) * وقدّم الصغار على العذاب لأنهم تمرّدوا عن اتباع الرسول وتكبروا طلباً للعز والكرامة فقوبلوا أوّلاً بالهوان والذل ، ولما كانت الطاعة ينشأ عنها التعظيم ثم الثواب عليها نشأ عن المعصية الإهانة ثم العقاب عليها ومعنى * ( عَندَ اللَّهِ ) * قال الزجاج : في عرصة قضاء الآخرة . وقال الفراء : في حكم الله كما يقول عند الشافعي أي في حكمه . وقيل : في سابق علمه . وقيل : إن الجزية توضع عليهم لا محالة وأن حكم الله بذلك مثبت عنده بأنه سيكون ذلك فيهم . وقال إسماعيل الضرير : في الكلام تقديم وتأخير أي صغار * ( وَعَذَابٌ شَدِيدٌ ) * عند الله في الآخرة ، وانتصب عند * ( سَيُصِيبُ ) * أو بلفظ * ( صَغَارٌ ) * لأنه مصدر فيعمل أو على أنه صفة لصغار فيتعلق بمحذوف ، وقدّره الزجاج ثابت عند الله و * ( مَا ) * الظاهر أنها مصدرية أي بكونهم * ( يَمْكُرُونَ ) * . وقيل : موصولة بمعنى الذي .
* ( فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ) * قال مقاتل : نزلت في الرسول صلى الله عليه وسلم ) وفي أبي جهل ، والهداية هنا مقابلة الضلالة والشرح كناية عن جعله قابلاً للإسلام متوسعاً لقبول تكاليفه ، ونسبة ذلك إلى صدره مجاز عن ذات الشخص ولذلك قالوا : فلان واسع الصدر إذا كان الشخص محتملاً ما يرد عليه من المشاق والتكاليف ، ونسبة إرادة الهدى والضلال إلى الله إسناد حقيقي لأنه تعالى هو الخالق ذلك والموجد له والمريد له وشرح الصدر تسهيل قبول الإيمان عليه وتحسينه وإعداده لقبوله : وضمير فاعل الهدى عائد على الله أي يشرح الله صدره . وقيل : يعود على الهدى المنسبك من * ( أَن يَهْدِيَهُ ) * أي يشرح الهدى صدره . قال ابن عطية : ويتركب عليه مذهب القدرية في خلق الأعمال ؛ انتهى . وفي الحديث السؤال عن كيفية هذا الشرح وأنه إذا وقع النور في القلب انشرح الصدر وأمارته الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الفوت والضيق والحرج كناية عن ضد الشرح واستعارة لعدم قبول الإيمان والحرج الشديد الضيق ، والضمير في * ( يَجْعَلْ ) * عائد على * ( اللَّهِ ) * ومعنى يجعل يصير لأن الإنسان يخلق أوّلاً على الفطرة وهي كونه مهيأ لما يلقى إليه ولما يجعل فيه فإذا أراد الله إضلاله أضله وجعله لا يقبل الإيمان ويحتمل أن يكون * ( يَجْعَلْ ) * بمعنى يخلق وينتصب * ( ضَيّقاً حَرَجاً ) * على الحال أي يخلقه على هذه الهيئة فلا يسمع الإيمان ولا يقبله ولاعتزال أبي عليّ الفارسي ذهب إلى أن يجعل هنا بمعنى يسمى قال كقوله : * ( وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثاً ) * قال : أي سموهم أو بمعنى يحكم له بالضيق كما تقول : هذا يجعل البصرة مصراً أي يحكم لها بحكمها فراراً من نسبة خلق ذلك إلى الله تعالى ، أو تصييره وجوباً على مذهبه الاعتزالي ونحو منه في خروج اللفظ عن ظاهره . قول الزمخشري * ( أَن يَهْدِيَهُ ) * أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف بشرح صدره للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب
تفسير البحر المحيط — صفحة 219
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢١٩