لو تأخر من حسابهم لكان في موضع النعت لشيء فلما تقدّم انتصب على الحال و * ( عَلَيْكَ ) * في موضع الخبر لما إن كانت حجازية ، وأجزنا توسط خبرها إذا كانت ظرفاً أو مجروراً وفي موضع خبر المبتدأ إن لم نجز ذلك أو اعتقدنا أن ما تميمية وأما في * ( مِنْ حِسَابِكَ ) * فقيل : هو في موضع نصب على الحال ويضعف ذلك بأن الحال إذا كان العامل فيها معنى الفعل لم يجز تقديمها عليه خصوصاً إذا تقدمت على العامل وعلى ذي الحال . وقيل : يجوز أن يكون الخبر * ( مِنْ حِسَابِكَ ) * و * ( عَلَيْهِمْ * وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ ) * على هذا تبيينااً لا حالاً ولا خبراً وانظر إلى حسن اعتنائه بنبيه وتشريفه بخطابه حيث بدأ به في الجملتين معاً فقال : * ( مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء ) * ثم قال : * ( وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء ) * فقدم خطابه في الجملتين وكان مقتضى التركيب الأول لو لوحظ أن يكون التركيب الثاني * ( وَمَا * عَلَيْهِمْ مّنْ * حِسَابِكَ * مِن شَىْء ) * لكنه قدم خطاب الرسول وأمره تشريفاً له عليهم واعتناء بمخاطبته وفي هاتين الجملتين رد العجز على الصدر ، ومنه قول الشاعر :
* وليس الذي حللته بمحلل
*
وليس الذي حرمته بمحرّم
*
* ( فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ) * الظاهر أن قوله : * ( فَتَطْرُدَهُمْ ) * جواب لقوله * ( مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء ) * يكون النصب هنا على أحد معنيي النصب في قولك : ما تأتينا فتحدّثنا لأن أحد معنيي هذا ما تأتينا محدثاً إنما تأتي ولا تحدث ، وهذا المعنى لا يصح في الآية والمعنى الثاني ما تأتينا فكيف تحدثنا ؟ أي لا يقع هذا فكيف يقع هذا وهذا المعنى هو الذي يصح في الآية أن لا يكون حسابهم عليك فيكون وقع الطرد ، وأطلقوا جواب أن يكون * ( فَتَطْرُدَهُمْ ) * جواباً للنفي ولم يبينوا كيفية وقوعه جواباً والظاهر في قوله : * ( فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ) * أن يكون معطوفاً على * ( فَتَطْرُدَهُمْ ) * والمعنى الإخبار بانتفاء حسابهم وانتفاء الطرد والظلم المتسبب عن الطرد ، وجوّزوا أن يكون * ( فَتَكُونُ ) * جواباً للنهي في قوله : * ( وَلاَ تَطْرُدِ ) * كقوله : * ( لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ) * وتكون الجملتان وجواب الأولى اعتراضاً بين النهي وجوابه ، ومعنى * ( مِنَ الْظَّالِمِينَ ) * من الذين يضعون الشيء في غير مواضعه .
2 ( * ( وَكَذالِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَاؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِأايَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الاٌّ يَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ * قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ * قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّه
تفسير البحر المحيط — صفحة 141
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٤١