نظير قوله في الأمر : * ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) * * ( خَبِيراً يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ ) * وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب ، وهو في المعنى للمخاطب . وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب ، لأن التقلب لو غره لاغتر به ، فمنع السبب ليمتنع المسبب انتهى كلامه . وملخص الوجهين اللذين ذكرهما : أن يكون الخطاب له والمراد أمّته ، أوله على جهة التأكيد والتنبيه ، وإن كان معصوماً من الوقوع فيه كما قيل :
* قد يهزّ الحسام وهو حسام
*
ويجب الجواد وهو جواد
*
وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب : لا يغرنك ولا يصدنك ولا يغرنكم وشبهه بالنون الخفيفة . وتقلبهم : هو تصرفهم في التجارات قاله : ابن عباس ، والفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج . أو ما يجري عليهم من النعم قاله : عكرمة ، ومقاتل . أو تصرّفهم غير مأخوذين بذنوبهم قاله : بعض المفسرين .
* ( مَتَاعٌ قَلِيلٌ ) * أي ذلك التقلب والتبسط شيء قليل متعوا به ، ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . وقلته باعتبار انقضائه وزواله ، وروي : * ( مَا * الدُّنْيَا فِى الاْخِرَةِ إِلاَّ * مّثْلُ مَا * يَجْعَلْ * أَحَدَكُمُ * مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ) * أخرجه الترمذي .
وروي : * ( مَا ) * أو باعتبار ما فاتهم من نعيم الآخرة ، أو باعتبار ما أعدّ الله للمؤمنين من الثواب .
* ( اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ) * ثم المكان الذي يأوون إليه إنما هو جهنم ، وعبر بالمأوى إشعاراً بانتقالهم عن الأماكن التي تقلبوا فيها وكان البلاد التي تقلبوا فيها إنما كانت لهم أماكن انتقال من مكان إلى مكان ، لا قرار لهم ولا خلود . ثم المأوى الذي يأوون إليه ويستقرّون فيه هو جهنم .
* ( وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) * أي وبئس المهاد جهنم . وقال الحطيئة :
* أطوّف ما أطوى ثم آوى
*
إلى بيت قعيدته لكاع
*
* ( لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ) * لما تضمن ما تقدم إن ذلك التقلب والتصرف في البلاد هو متاع قليل ، وإنهم يأوون بعد إلى جهنم ، فدل على قلّة ما متعوا به ، لأنّ ذلك منقض بانقضاء حياتهم ، ودلّ على استقرارهم في النار . استدرك بلكن الأخبار عن المتقين بمقابل ما أخبر به عن الكافرين ، وذلك شيئان : أحدهما مكان استقرار وهي الجنات ، والثاني ذكر الخلود فيها وهو الإقامة دائماً والتمتع بنعيمها سرمداً . فقابل جهنم بالجنات ، وقابل قلة متاعهم بالخلود الذي هو الديمومة في النعيم ، فوقعت لكن هنا أحسن موقع ، لأنه آل معنى الجملتين إلى تكذيب الكفار وإلى تنعيم المتقين ، فهي واقعة بين الضدين . وقرأ الجمهور : لكنْ خفيفة النون . وقرأ أبو جعفر : بالتشديد ، ولم يظهر لها عمل ، لأن اسمها مبني .
* ( نُزُلاٍ مّنْ عِندِ اللَّهِ ) * النزل ما يعد للنازل من الضيافة والقرى . ويجوز تسكين راية ، وبه قرأ : الحسن ، والنخعي ، ومسلمة بن محارب ، والأعمش . وقال الشاعر :
* وكنا إذا الجبار بالجيش خافنا
*
جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
*
تفسير البحر المحيط — صفحة 154
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٥٤