وتنقيص قدرهم وذمهم ، إذ يزعمون أنهم أخياروهم بخلاف ذلك ، وفي قوله * ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ) * إشارة إلى توليهم وإعراضهم اللذين سببهما افتراؤهم ، وفي * ( وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ) * إشارة إلى أن جزاء أعمالهم لا ينقص منه شيء .
والتكرار في * ( عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ ) * * ( يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ) * إما في اللفظ والمعنى إن كان المدلول واحداً ، وإما في اللفظ إن كان مختلفاً . وفي التولي والإعراض إن كانا بمعنى واحد . وفي : * ( مَالِكَ الْمُلْكِ ) * * ( تُؤْتِى الْمُلْكَ ) * * ( وَتَنزِعُ الْمُلْكَ ) * وتكراره في جمل للتفخيم والتعظيم إن كان المراد واحداً ، وإن اختلف كان من تكرار اللفظ فقط ، وتكرار * ( مَن تَشَاء ) * وفي * ( تُولِجُ ) * وفي * ( تُخْرِجُ ) * وفي متعلقيهما . والاتساع في جعل : في ، بمعنى : على ، على قول من زعم ذلك في قوله * ( تُولِجُ الَّيْلَ فِى الْنَّهَارِ ) * أي على النهار ، * ( وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ ) * أي على الليل . وعبر بالإيلاج عن العلو والتغشية .
والنفي المتضمن الأمر في * ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) * على قول الزجاج ، أي لا ترتابوا فيه ، والتجنيس المماثل في * ( مَالِكَ الْمُلْكِ ) * والطباق : في : تؤتي وتنزع ، وتعز وتذل ، وفي الليل والنهار ، وفي الحي والميت . ورد العجز على الصدر في : تولج ، وما بعده ، والحذف وهو في مواضع مما يتوقف فهم الكلام على تقديرها . كقوله * ( تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَاء ) * أي من تشاء أن تؤتيه . والإسناد المجازي في * ( لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ) * أسند الحكم إلى الكتاب لأنه يبين الأحكام فهو سبب الحكم وروي في الحديث : ( إن من أراد قضاء دينه قرأ كل يوم : قل اللهم مالك الملك إلى بغير حساب . ويقول رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، تعطي منهما من تشاء إقض عني ديني . فلو كان ملء الأرض ذهباً لأداه الله ) .
* ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) * قيل : نزلت في عبادة بن الصامت ، كان له حلفاء من اليهود فأراد أن يستظهر بهم على العدو وقيل : في عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتوالون اليهود وقيل : في قوم من اليهود ، وهم : الحجاح بن عمر ، وكهمس بن أبي الحقيق ، وقيس بن يزيد ، كانوا يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم فنهاهم قوم من المسلمين وقالوا : اجتنبوا هؤلاء اليهود ، فأبوا ، فنزلت هذه الأقوال مروية عن ابن عباس . وقيل : في حاطب بن بلتعة ، وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار قريش ، فنزلت .
ومعنى : اتخاذهم أولياء : اللطف بهم في المعاشرة ، وذلك لقرابة أو صداقة . قبل الإسلام ، أو يد سابقة أو غير ذلك ، وهذا فيما
تفسير البحر المحيط — صفحة 440
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٤٠