تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
في ظاهره ، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد ، ففكر وراجع نفسه وغيره ، ففتح الله عليه ، وتبين مطابقة المتشابه المحكم ، ازداد طمأنينة إلى معتقده ، وقوة في اتقانه . إنتهى كلام الزمخشري ، وهو مؤلف مما قاله الناس في فائدة المجيء بالمشابه في القرآن . ولما ذكر تعالى أول السورة * ( اللَّهُ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ) * ذكر هنا كيفية الكتاب ، وأتى بالموصول ، إذ في صلته حوالة على التنزيل السابق ، وعهد فيه . وقوله : * ( مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ ) * إلى آخره ، في موضع الحال ، أي : تركه على هذين الوجهين محكماً ومتشابهاً ، وارتفع : آيات ، على الفاعلية بالمجرور لأنه قد اعتمد ، ويجوز ارتفاعه على الابتداء ، والجملة حالية . ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة ، ووصف الآيات بالأحكام صادق على أن كل آية محكمة ، وأما قوله : * ( وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) * فأُخر صفة لآيات محذوفة ، والوصف بالتشابه لا يصح في مفرد آخر ، لو قلت : وأخرى متشابهة لم يصح إلاَّ بمعنى أن بعضها يشبه بعضاً ، وليس المراد هنا هذا المعنى ، وذلك أن التشابه المقصود هنا لا يكون إلاَّ بين اثنين فصاعداً ، فلذلك صح هذا الوصف مع الجمع ، لأن كل واحد من مفرداته يشابه الباقي ، وإن كان الواحد لا يصح فيه ذلك ، فهو نظير ، رجلين يقتتلان ، وإن كان لا يقال : رجل يقتتل . وتقدم الكلام على أخر في قوله : * ( فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) * فأغنى عن إعادته هنا . وذكر ابن عطية أن المهدوي خلط في مسألة : أخر ، وأفسد كلام سيبوية ، فتوقف على ذلك من كلام المهدوي . * ( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) * هم نصارى نجران لتعرضهم للقرآن في أمر عيسى ، قاله الربيع . أو : اليهود ، قاله ابن عباس ، والكلبي ، لأنهم طلبوا بقاء هذه الآية من الحروف المقعطة والزيغ : عنادهم . وقال الطبري : هو الأشبه . وذكر محاورة حي بن أخطب وأصحابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) في مدة ملته ، واستخراج ذلك من الفواتح ، وانتقالهم من عدد إلى عدد إلى أن قالوا : خلطت علينا فلا ندري بكثير نأخذ أم بقليل ؟ ونحن لا نؤمن بهذا . فأنزل الله تعالى : * ( هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ) * الآية ، وفسر الزيغ : بالميل عن الهدى ، ابن مسعود ، وجماعة من الصحابة ، ومجاهد ، ومحمد بن جعفر بن الزبير ، وغيرهم . وقال قتادة : هم منكرو البعث ، فإنه قال في آخرها * ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ) * وما ذاك إلاَّ يوم القيامة ، فإنه أخفاه عن جميع الخلق . وقال قتادة أيضاً : هم الحرورية ، و : هم الخوارج . ومن تأول آية لا في محلها . وقال أيضاً : إن لم تكن الحرورية هم الخوارج السبائية ، فلا أدرى من هم . وقال ابن جريح : هم المنافقون . وقيل : هم جميع المبتدعة . وظاهر اللفظ العموم في الزائغين عن الحق ، وكل طائفة ممن ذكر زائغة عن الحق ، فاللفظ يشملهم وإن كان نزل على سبب خاص ، فالعبرة لعموم اللفظ . * ( فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) * قال القرطبي : متبعو المتشابه إما طالبو تشكيك وتناقض وتكرير ، وإما طالبو ظواهر المتشابه : كالمجمسة إذ أثبتوا أنه جسم ، وصورة ذات وجه ، وعين ويد وجنب ورجل وأصبع . وإما متبعو إبداء تأويل وإيضاح معاينة ، كما سأل رجل ابن عباس عن أشياء اختلفت عليه في القرآن ، مما ظاهرها التعارض ، نحو : * ( وَلاَ يَتَسَاءلُونَ ) * و * ( أَقْبِلْ * بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ) * * ( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) * * ( وَاللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) * ونحو ذلك . وأجابه ابن عباس بما أزال عنه