المحذوف ، وحذف ذلك للعلم به ، ولدلالة ما في قوله : وما أنفقتم ، عليه ، كما حذف ذلك في قوله :
* أمن يهجو رسول الله منكم
*
ويمدحه وينصره سواء ؟
*
التقدير : ومن يمدحه ، فحذفه لدلالة : من ، المتقدمة عليه ، وعلى هذا الذي تقرر من حذف الموصول ، فجاء الضمير مفرداً في قوله : فإن الله يعلمه ، لأن العطف بأو ، وإذا كان العطف بأو كان الضمير مفرداً ، لأن المحكوم عليه هو أحدهما ، وتارة يراعى به الأول في الذكر ، نحو : زيد أو هند منطلق ، وتارة يراعى به الثاني نحو : زيد أو هند منطلقة . وأما أن يأتي مطابقاً لما قبله في التثنية أو الجمع فلا ، ولذلك تأوّل النحويون قوله تعالى : * ( إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ) * بالتأويل المذكور في علم النحو ، وعلى المهيع الذي ذكرناه ، جاء قوله تعالى : * ( وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا ) * وقوله تعالى : * ( وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ) * كما جاء في هذه الآية * ( فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ) * ولما عزبت معرفة هذه الأحكام عن جماعة ممن تكلم في تفسير هذه الآية ، جعلوا إفراد الضمير مما يتأوّل ، فحكي عن النحاس أنه قال : التقدير : وما أنفقتم من نفقة فان الله يعلمها ، أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه . ثم حذف قال ، وهو مثل قوله : * ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا ) * وقوله * ( وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ) * وقول الشاعر :
* نحن بما عندنا ، وأنت بما
*
عندك راضٍ ، والرأي مختلف
*
وقول الآخر :
* رماني بأمر كنت منه ، ووالدي
*
بريئاً ومن أجل الطويّ رماني
*
التقدير : نحن بما عندنا راضون ، وكنت منه بريئاً ، ووالدي بريئاً . انتهى . فأجرى أو مجرى الواو في ذلك . قال ابن عطية : ووحد الضمير في يعلمه ، وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص . انتهى .
وقال القرطبي : وهذا حسن ، فإن الضمير يراد به جميع المذكور ، وإن كثر انتهى . وقد تقدّم لنا ذكر حكم أو ، وهي مخالفة للواو في ذلك ، ولا يحتاج لتأويل ابن عطية لأنه جاء على الحكم المستقر في لسان العرب في : أو .
* ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) * ظاهره العموم ، فكل ظالم لا يجد له من ينصره ويمنعه من الله ، وقال مقاتل : هم المشركون . وقال أبو سليمان الدمشقي : هم المنفقون بالمن والأذى والرياء ، والمبذورن في المعصية . وقيل : المنفقو الحرام .
والأنصار : الأعوان جمع نصير ، كحبيب وأحباب ، وشريف وأشراف . أو : ناصر ، كشاهدو أشهاد ، وجاء جمعاً باعتبار أن ما قبله جمع ، كما جاء : * ( وَمَا لَهُم مّن نَّاصِرِينَ ) * والمفرد يناسب المفرد نحو : * ( مَالِكَ * مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ) * لا يقال : انتفاء الجمع لا يدل على انتفاء المفرد ، لأن ذلك في معرض نفي النفع والإغناء ، وحصول الاستعانة ، فإذا لم يجد الجمع ولم يغنِ ، فأحرى أن لا يجدي ولا يغني الواحد .
ولما بيَّن تعالى فضل الإنفاق في سبيله وحث عليه ، وحذرنا من الجنوح إلى نزغات الشيطان ، وذكرنا بوعد الله الجامع لسعادة الآخرة
تفسير البحر المحيط — صفحة 336
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٣٦