في معدن الملك القديم الكرسي
وقيل : الكرسي العلم . لأن موضع العالم هو الكرسي ، سميت صفة الشيء باسم مكانه على سبيل المحاز ، ومنه يقال للعلماء : كراسي ، لأنهم المعتمد عليهم ، كما يقال : أوتاد الأرض ، ومنه الكراسة ، وقال الشاعر :
* تحف بهم بيض الوجوه وعصبة
*
كراسي بالأحداث حين تنوب
*
أي : ترجع ، وقيل : الكرسي السر قال الشاعر :
* مالي بأمرك كرسيّ أكاتمه
*
ولا بكرسيّ علم الله مخلوق
*
وقيل : الكرسي : ملك من الملائكة يملأ السماوات والأرض ، وقيل : قدرة الله ، وقيل : تدبير الله ، حكاهما الماوردي ، وقال : هو الأصل المعتمد عليه . قال المغربي : من تكرس الشيء تراكب بعضه على بعض ، وأكرسته أنا ، قال العجاج :
* يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا
*
قال نعم أعرفه وأكرسا
*
وقال آخر :
* نحن الكراسي لا تعدهوازن
*
أمثالنا في النائبات ولا الأشد
*
وقال الزمخشري : وفي قوله : * ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ) * أربعة أوجه : أحدها : أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته ، وما هو إلاَّ تصوير لعظمته وتخييل فقط ، ولا كرسي ثم ، ولا قعود ، ولا قاعد ، لقوله : * ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) * من غير تصور قبضه وطىّ ويمين ، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه ، وتمثيل حسيّ . ألا ترى إلى قوله : * ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) * ؟ انتهى ما ذكره في هذا الوجه .
واختار القفال معناه قال : المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله تعالى وكبريائه وتعزيزه ، خاطب الخلق في تعريف ذاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم .
وقيل : كرسي لؤلؤ ، طول القائمة سبعمائة سنة ، وطول الكرسي حيث لا يعلمه العالمون . ذكره ابن عساكر في تاريخه ، عن عليّ بن أبي طالب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قاله .
قال ابن عطية : والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش ، والعرش أعظم منه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : ( ما السماوات السبع في الكرسي إلاَّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس ) . وقال أبو ذرّ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقول : ما الكرسيّ في العرش إلاَّ كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض ) . وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله . إنتهى كلامه .
* ( وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ) * قرأ الجمهور : يؤوده بالهمز ، وقرئ شاذاً بالحذف ، كما حذفت همزة أناس ، وقرئ أيضاً : يووده ، بواو منضمومة على البدل من الهمزة أي : لا يشقه ، ولا يثقل عليه ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وغيرهم . وقال أبان بن تغلب : لا يتعاظمه حفظهما ، وقيل : لا يشغله حفظ السماوات عن حفظ الأرضين ، ولا حفظ الأرضين عن حفظ السماوات .
والهاء
تفسير البحر المحيط — صفحة 290
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٩٠