* إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى
*
ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
*
ندمت على أن لا تكون كمثله
وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
وقال بعض عرب الجاهلية :
* فلو كان حمد يخلد الناس لم يمت
*
ولكن حمد الناس ليس بمخلد
*
ولكن منه باقيات وراثة
فأورث بنيك بعضها وتزود
*
* تزود إلى يوم الممات فإنه
*
وإن كرهته النفس آخر موعد
*
وصعد سعدون المجنون تلاَّفي مقبرة ، وقد انصرف ناس من جنازة فناداهم :
* ألاَ يا عسكر الأحياء
*
هذا عسكر الموتى
*
* أجابوا الدعوة الصغرى
*
وهم منتظروا الكبرى
*
* يحثون على الزاد
*
ولا زاد سوى التقوى
*
* يقولون لكم جدوا
*
فهذا غاية الدنيا
*
وقيل : أمر بالتزود لسفر العبادة والمعاش ، وزاده الطعام والشراب والمركب والمال ، وبالتزود لسفر المعاد ، وزاده تقوى الله تعالى ؛ وهذا الزاد خير من الزاد الأول لقوله : * ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) * .
فتلخص من هذا كله ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه أمر بالتزود في أسفار الدنيا ، فيكون مفعول : تزودوا ، ما ينتفعون به ، فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم من السؤال ، وأنفسكم من الظلم ، وقال البغوي : قال المفسرون : التقوى هنا : الكعك والزيت والسويق والتمر والزبيب وما يشاكل ذلك من المطعومات .
والثاني : أنه أمر بالتزود لسفر الأخرة ، وهو الذي نختاره .
والثالث : أنه أمر بالتزود في السفرين ، كأن التقدير : وتزودوا ما تنتفعون به لعاجل سفركم وآجله .
وأبعد من ذهب إلى أن المعنى : وتزودوا الرفيق الصالح ، إلاّ أن عنى به العمل الصالح ، فلا يبعد ، لأنه هو القول الثاني الذي اخترناه .
وقال أبو بكر الرازي : احتمل قوله : وتزودوا ، الأمرين من زاد الطعام وزاد التقوى ، فوجب الحمل عليهما ، إذ لم تقم دلالة على تخصيص أحد الأمرين ، وذكر التزود من الأعمال الصالحة في الحج ، لأنه أحق شيء بالإستكثار من أعمال البر فيه لمضاعفة الثواب عليه ، كما نص على خطر الفسوق ، وإن كان محظوراً في غيره ، تعظيماً لحرمة الإحرام ، وإخباراً أنه فيه أعظم مأثماً .
ثم أخبر أن زاد التقوى خيرهما لبقاء نفعه ، ودوام ثوابه ، وهذا يدل على بطلان مذهب أهل التصوف ، والذين يسافرون بغير زاد ولا راحلة ، لأنه تعالى خاطب بذلك من خاطبه بالحج ، وعلى هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ) ، حين سئل عن الاستطاعة ، فقال : ( هي الزاد
تفسير البحر المحيط — صفحة 102
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٠٢