تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس . . . ) الحديث ، وروي عن أبي ذر مرفوعا : ( يصبح على كل سلامي على أحدكم صدقة ) . والسلامي ، بضم السين المهملة وتخفيف اللام : المفصل ، وله في حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها : ( خلق الله كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل ) . قوله : ( يا نبي الله فمن لم يجد ؟ ) أي : فمن لم يقدر على الصدقة ، فكأنهم فهموا من الصدقة العطية ، فلذلك قالوا : فمن لم يجد ، فبين لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعم من ذلك ولو بإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف . قوله : ( يعمل بيده ) ، وفي رواية مسلم : ( يعتمل بيديه ) ، من الإعتمال من باب الافتعال . وفيه معنى التكلف . قوله : ( يعين ) من أعان إعانة . قوله : ( الملهوف ) بالنصب لأنه صفة : ذا الحاجة ، وانتصاب هذا على المفعولية ، والملهوف يطلق على المتحسر والمضطر وعلى المظلوم ، وتلهف على الشيء تحسر . قوله : ( فليعمل بالمعروف ) وفي رواية البخاري في الأدب : ( قالوا فإن لم يفعل ؟ قال : فليمسك عن الشر ) . وإذا أمسك شره عن غيره فكأنه قد تصدق عليه لأمنه منه ، فإن كان شرا لا يعدو نفسه فقد تصدق على نفسه ، بأن منعها من الإثم . قوله : ( فإنها ) تأنيث الضمير فيه إما باعتبار الفعلة التي هي الإمساك ، أو باعتبار الخبر ، ووقع في رواية الأدب : فإنه ، أي : فإن الإمساك . قوله : ( له ) أي : للممسك . ذكر ما يستفاد منه : يستفاد منه أن الشفقة على خلق الله تعالى لا بد منها ، وهي إما بالمال أو بغيره ، والمال إما حاصل أو مقدور التحصيل له والغير ، إما فعل ، وهو : الإعانة ، أو ترك وهو : الإمساك ، وأعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزل منزلة الصدقات في الأجور ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة ، ويفهم منه أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها ، وأجر الفرض أكثر من النفل ، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة عن الرب ، عز وجل : ( وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ) . قال إمام الحرمين ، عن بعض العلماء : ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة . واعلم أنه لا ترتيب فيما تضمنه الحديث المذكور ، وإنما هو للإيضاح لما يفعله من عجز عن خصلة من الخصال المذكورة ، فإنه يمكنه خصلة أخرى ، فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق ، وأن يغيث الملهوف وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويمسك عن الشر فليفعل الجميع . وفيه : فضل التكسب لما فيه من الإعانة وتقديم النفس على الغير ، والله أعلم . 13 ( ( بابٌ قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَنْ أعْطَى شاةً ) ) أي : هذا باب في بيان قدر كم يعطي من الزكاة ، وكم يعطي من الصدقة ؟ وإنما لم يبين الكمية فيها اعتمادا على سبق الأفهام إليه ، لأن عادته قد جرت بمثل ذلك في مواضع كثيرة ، أما الكمية في قدر ما يعطي من الزكاة فقد علمت في أبواب الزكاة في كل صنف من الأصناف ، وقد أشار في الكتاب إلى أكثرها على ما يجيء ، إن شاء الله تعالى ، وقد علم أيضا أن التنقيص فيها من الذي نص عليه الشارع لا يجوز ، وأما الكمية في الصدقة فغير مقدرة لأن المتصدق محسن ، والله يحب المحسنين . قوله : ( كم يعطى ) على بناء المجهول ، ويجوز أن يكون على بناء المعلوم أي : مقدار كم يعطي المزكي في زكاته ، وكم يعطي المتصدق في صدقته . وقال بعضهم : وحذف مفعول يُعطي اختصارا لكونهم ثمانية أصناف ، وأشار بذلك إلى الرد على من كره أن يدفع إلى شخص واحد قدر النصاب ، وهو محكي عن أبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه . قلت : ليت شعري كم من ليلة سهر هذا القائل حتى سطر هذا الكلام الذي تمجه الأسماع ، وحذف المفعول هنا كما في قولهم : فلان يعطى ويمنع ، وكيف يدل ذلك على الرد على أبي حنيفة ، رحمه الله تعالى ، ولكن هذا يطرد في الصدقة ولا يطرد في الزكاة على ما لا يخفى . قوله : ( والصدقة ) من عطف العام على الخاص ، قيل : لو اقتصر على الزكاة لأوهم أن غيرها بخلافها . قلت : لا يشك أحد أن حكم الصدقة غير حكم الزكاة إذا ذكرت في مقابلة الزكاة ، وأما إذا أطلق لفظ الصدقة فتكون شاملة لهما . قوله : ( ومن أعطى شاة ) ، عطف على قوله : ( قدر كم يعطي ؟ ) أي : وفي بيان حكم من أعطى شاة فكأنه أشار بذلك إلى أنه إذا أعطى شاة في الزكاة ، إنما تجوز إذا كانت كاملة ، لأن الشارع نص على كمال الشاة في موضع تؤخذ منه الشاة ، فإذا أعطى جزأ منها لا يجوز ، وأما في الصدقة فيجوز أن يعطي الشاة كلها ويجوز أن يعطي جزأ منها ، على ما يأتي بيان ذلك في حديث الباب إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري — صفحة 312 | العيني