تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
بالتبرر ، وهو فعل البر ، وهو الطاعة . وقال أهل اللغة : أصل التحنث أن يفعل فعلاً يخرج به من الحنث وهو الإثم ، وكذا تأثم وتحرج وتهجد ، أي : فعل فعلاً يخرج عن الإثم والحرج والهجود . قوله : ( من صدقة ) كلمة من ، بيانية . قوله : ( أو عتاقة ) وهو أنه أعتق مائة رقبة في الجاهلية وحمل على مائة بعير ، كما ذكرنا . قوله : ( على ما سلف ) ، أي : على اكتساب ما سلف لك من خير أو على احتسابه ، أو على قبول ما سلف ، وروي أن حسنات الكافر إذا ختم له بالإسلام مقبولة أو تحسب له ، فإن مات على كفره بطل عمله . قال تعالى : * ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) * ( المائدة : 5 ) . وقال المازري : اختلف في قوله : ( أسلمت على ما سلف من خير ) ، ظاهره خلاف ما يقتضيه الأصول ، لأن الكافر لا تصح منه قربة فيكون مثابا على طاعته ، ويصح أن يكون مطيعا غير متقرب كنظيره في الإيمان ، فإنه مطيع من حيث كان موافقا للأمر والطاعة عندنا موافقة للأمر ، ويصح أن يكون مطيعا غير متقرب كنظيره في الإيمان ، فإنه مطيع من حيث كان موافقا للأمر والطاعة عندنا موافقة للأمر ، ولكنه لا يكون متقربا ، لأن من شرط التقرب أن يكون عارفا بالمتقرب إليه ، وهو في حين نظره لم يحصل له العلم بالله تعالى بعد . فإذا قرر هذا فاعلم أن الحديث متأول ، وهو يحتمل وجوها . أحدها : أن يكون المعنى : أنك اكتسبت طباعا جميلة وأنت تنتفع بتلك الطباع في الإسلام ، وتكون تلك العادة تمهيدا لك ومعونة على فعل الخير والطاعات . الثاني : معناه : اكتسبت بذلك ثناء جميلاً فهو باق عليك في الإسلام . الثالث : أن لا يبعد أن يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الجميلة ، وقد قالوا في الكافر : إذا كان يفعل الخير فإنه يخفف عنه به ، فلا يبعد أن يزاد هذا في الأجور . وقال عياض ، وقيل : معناه ببركة ما سبق لك من خير هداك الله تعالى إلى الإسلام ، فإن من ظهر فيه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة أخراه وحسن عاقبته . وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره وأنه إذا أسلم الكافر ومات على الإسلام يثاب على فعله من الخير في حال الكفر ، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له حسنة زلفها ، ومحا عنه كل سيئة كان زلفها ، وكان عمله بعد ذلك الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسيئة بمثلها إلاَّ أن يتجاوز الله تعالى ) ، ذكره الدارقطني في ( غريب حديث مالك ) ، ورواه عنه من تسع طرق وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك ، وقال ابن بطال ، بعد ذكر هذا الحديث : ولله تعالى أن يتفضل على عباده ما شاء ، لا اعتراض لأحد عليه ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام : أسلمت على ما أسفلت من خير . وقال بعض أهل العلم : معناه كل مشرك أسلم أنه يكتب له كل خير عمله قبل إسلامه ولا يكتب عليه من سيئاته شيء ، لأن الإسلام يهدم ما قبله ، وإنما كتب له به الخير لأنه أراد به وجه الله تعالى ، لأنهم كانوا مقرين بالربوبية ، إلاَّ أن عملهم كان مردودا عليهم لو ماتوا على شركهم ، فلما أسلموا تفضل الله عليهم فكتب لهم الحسنات ومحا عنهم السيئات ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين . . ) وفيه ، وهو الثالث : ( ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ) . قال المهلب : ولعل حكيما لو مات على جاهليته أن يكون ممن يخفف عنه من عذاب النار ، كما حكي في أبي طالب وأبي لهب . انتهى . وهذان لا يقاس عليهما لخصوصيتهما . وقال ابن الجوزي : وقيل : إن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ورى عن جوابه فإنه سأله : هل لي فيها أجر ؟ يريد ثواب الآخرة ؟ ومعلوم أنه لا ثواب في الآخرة لكافر ، فقال له : أسلمت على ما سلف لك من خير ، والعتق فعل خير ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أنك قد فعلت خيرا والخير يمدح فاعله ، وقد يجازى عليه في الدنيا . وذكر حديث أنس من ( صحيح مسلم ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا ، فإذا لقي الله لم يكن له حسنة . وقال الخطابي : روي أن حسنات الكافر إذا ختم له بالإسلام محتسبة له ، فإن مات على كفره كانت هدرا . وقال أبو الفرج : فإن صح هذا كان المعنى : أسلمت على قبول ما سلف لك من خير . وقال القرطبي : الإسلام إذا حسن هدم ما قبله من الآثام ، وأحرز ما قبله من البر . وقال الحربي : معنى حديث حكيم : ما تقدم لك من الخير الذي عملته هو لك ، كما تقول : أسلمت لك على ألف درهم على أن أحوزها لنفسي . قال القرطبي : وهذا الذي قاله الحربي هو أشبهها وأولاها ، والله أعلم . وقال النووي : وقد يعتد بعض أفعال الكافرين في أحكام الدنيا ، فقد قال الفقهاء : إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها ، فكفر في حال كفره أجزأه ذلك ، وإذا أسلم لا تجب عليه إعادتها . واختلف