تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
مسلم من حديث يزيد بن عبيد ، قال : سمعت عميرا مولى أبي اللحم قال : أمرني مولاي أن أقدد لحما ، فجاء مسكين فأطعمته منه ، فعلم مولاي بذلك فضربني ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فدعاه فقال له : لِمَ ضربته ؟ قال : يعطي طعامي من غير أن آمره . فقال : الأجر بينكما . قلت : معناه : بينكما قسمان ، وإن كان أحدهما أكثر ، وأشار القاضي عياض إلى أنه يحتمل أيضا أن يكون سواء ، لأن الأجر فضل من الله تعالى ، ولا يدرك بقياس ولا هو بحسب الأعمال ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وقال النووي : والمختار الأول . قوله : ( لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا ) شيئا : منصوب لأنه مفعول لقوله : ( لا ينقص ) ، وقوله : أجر ، منصوب بنزع الخافض أي : من أجر بعض ، أو هو مفعول أول لقوله : لا ينقص ، لأنه ضد يزيد وهو متعد إلى مفعولين ، قال تعالى : * ( فزادهم الله مرضا ) * ( البقرة : 01 ) . ذكر ما يستفاد منه : اختلف الناس في تأويل هذا الحديث ، فقال بعضهم : هذا على مذهب الناس بالحجاز ، وبغيرها من البلدان : إن رب البيت قد يأذن لأهله وعياله وللخادم في الإنفاق بما يكون في البيت من طعام أو أدام ، ويطلق أمرهم فيه إذا حضره السائل ونزل الضيف ، وحضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على لزوم هذه العادة ووعدهم الثواب عليه ، وقيل : هذا في اليسير الذي لا يؤثر نقصانه ولا يظهر ، وقيل : هذا إذا علم منه أنه لا يكره العطاء فيعطي ما لم يجحف ، وهذا معنى قوله : غير مفسدة ، وفرق بعضهم بين الزوجة والخادم : بأن الزوجة لها حق في مال الزوج ولها النظر في بيتها ، فجاز لها أن تتصدق بما لا يكون إسرافا ، لكن بمقدار العادة ، وما يعلم أنه لا يؤلم زوجها . فأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ولا حكم ، فيشترط الإذن في عطية الخادم دون الزوجة . فإن قلت : أحاديث هذا الباب جاءت مختلفة . فمنها : ما يدل على منع المرأة أن تنفق من بيت زوجها إلاَّ بإذنه ، وهو حديث أبي أمامة رواه الترمذي ، قال : حدثنا هناد حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني ( عن أبي أمامة الباهلي ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع : لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلاَّ بإذن زوجها . قيل : يا رسول الله ولا الطعام ؟ قال : ذاك أفضل أموالنا ) . وقال : حديث حسن وأخرجه ابن ماجة أيضا . ومنها : ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها في ذلك ، وهو حديث عائشة المذكور . ومنها : ما قيد فيه الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منه ، وبكونها غير مفسدة ، وهو حديث عائشة أيضا رواه الترمذي من حديث مسروق عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة . . ) الحديث . ومنها : ما هو مقيد بكونها غير مفسدة ، وإن كان من غير أمره ، وهو حديث أبي هريرة رواه مسلم من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلاَّ بإذنه ، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلاَّ بإذنه ، وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له ) . ومنها : ما قيد الحكم فيه بكونه رطبا ، وهو حديث سعد ابن أبي وقاص ، رواه أبو داود من رواية زياد بن جبير ( عن سعد ، قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر فقالت : يا نبي الله أنأكل من عمل آبائنا وأبنائنا ؟ ) قال أبو داود : وأرى فيه ( وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم ؟ قال : الرطب تأكليه وتهديه ) ، قال أبو داود : الرطب الخبز والبقل والرطب . قلت : الرطب الأول ، بفتح الراء والثاني بضمها ، وهو رطب التمر ، وكذلك العنب وسائر الفواكه الرطبة دون اليابسة . قلت : كيفية الجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته . ورضاه بذلك أو كراهته لذلك ، وباختلاف الحال في الشيء المنفق بين أن يكون شيئا يسيرا يتسامح به ، وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله ، وبين أن يكون ذلك رطبا يخشى فساده إن تأخر ، وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد . 81 ( ( بابٌ لاَ صَدَقَةَ إلاَّ عنْ ظَهْرِ غِنَى ) ) أي : هذا باب ترجمته : لا صدقة إلاَّ عن ظهر غنى ، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد عن أبي هريرة من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة . قال : ( لا صدقة إلاَّ عن ظهر غنى ) ، وكذا ذكره البخاري في الوصايا تعليقا ، ولفظ حديث الباب عن أبي هريرة بلفظ : ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) . قال الخطابي : الظهر قد يزاد في مثل