تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
في نذر مبهم وكانت ترى أنها لم توف مما يلزمها فيه وأعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف درهم . 11 ( ( بابُ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ وصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ ) ) أي : باب يذكر فيه أي الصدقة من الصدقات أفضل وأعظم أجرا ، هكذا هو الترجمة في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر : باب فضل صدقة الشحيح الصحيح . قوله : ( وصدقة الشحيح ) ، بالرفع عطف على ما قبله من المقدر تقديره : وفضل صدقة الشحيح ، ولم يتردد فيه لأن فضل صدقة الشحيح الصحيح على غيره ظاهر ، لأن فيه مجاهدة النفس على إخراج المال الذي هو شقيق الروح مع قيام مانع الشح ، وليس هذا إلاَّ من قوة الرغبة في القربة وصحة العقد ، فكان أفضل من غيره ، وتردد في الأول بكلمة : أي ، التي هي للاستفهام لأن إطلالاق الأفضلية فيه موضع التردد . قوله : ( الشحيح ) ، صفة مشبهة من الشح ، قال ابن سيده : والشح والشح والشح : البخل ، والضم أعلى . وقد شححت تشح وتشح ، وشححت تشح ، ورجل شحيح وشحاح من قوم أشحة وأشحاء ومشحاح ، ونفس شحة شحيحة ، وعن ابن الأعرابي : وشاحوا في الأمر ، وعليه . وفي ( الجامع ) حكى قوم الشح والشح ، وأرى أن يكون الفتح في المصدر والضم في الاسم وجمعه في أقل العدد أشحة ولم أسمع غيره . وفي ( المنتهى ) لأبي المعاني : الشح بخل مع حرص ، وقال أبو إسحاق الحربي في كتابه ( غريب الحديث ) : للشح ثلاثة وجوه : الأول : أن تأخذ مال أخيك بغير حقه ، قال رجل لابن مسعود : ما أعطي ما أقدر على منعه ، قال : ذاك البخل والشح أن تأخذ مال أخيك بغير حق . الثاني : ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : الشح منع الزكاة وادخار الحرام . الثالث : ما روي : ( أن تصدق وأنت صحيح شحيح ) . قال والذي يبرئ من الوجوه الثلاثة ما روى ( برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة ) . وفي ( المغيث ) : الشح أبلغ في المنع من البخل ، والبخل في أفراد الأمور وخواص الأشياء ، والشح بالماء والمعروف ، وقيل : الشحيح البخيل مع التحرص . وفي ( مجمع الغرائب ) : الشح المطاع هو البخل الشديد الذي يملك صاحبه بحيث لا يمكنه أن يخالف نفسه فيه . لِقَوْلِهِ * ( وِأنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتَ ) * ( المنافقون : 01 ) . الآية علل الترجمة بهذه الآية الكريمة لأن معناها التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل واشتغالاً بطول الأمل ، والترجمة في فضل صدقة الصحيح الشحيح لأن فيها مجاهدة النفس على الأنفاق خوفا من هجوم الأجل مع قيام المانع ، وهو الشح . فلذلك كانت صدقته أفضل من صدقة غيره ، وهذا هو وجه المطابقة بين الترجمة والآية ، والآية الكريمة في سورة المنافقين ، ومعنى : * ( انفقوا ) * ( المنافقون : 01 ) . تصدقوا مما رزقكم الله من الأموال * ( من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ) * ( المنافقون : 01 ) . يعني : يقول : يا سيدي ردني إلى الدنيا : * ( فأصدق ) * يعني : فأتصدق ويقال أصدق * ( بالله وأكن من الصالحين ) * ( المنافقون : 01 ) . يعني : أفعل ما فعل المصدقون . وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : من كان له مال تجب فيه الزكاة فلم يزكه ، أو مال يبلغه بيت ربه فلم يحج ، سأل عند الموت الرجعة ، قال : فقال رجل : اتق الله يا ابن عباس ، إنما سألت الكفار الرجعة . قال ابن عباس : إني أقرأ عليك بهذا القرآن . وَقَوْلِهِ * ( يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِما رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يأتِي يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ ) * الآية وقوله ، بالجر عطف على : لقوله ، وهذه الآية الكريمة في سورة البقرة ، وهذه متأخرة عن الآية الأولى في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر بالعكس ، وقد أمر الله تعالى هنا أيضا بالإنفاق مما رزقهم الله في سبيلة ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ، فعليهم المبادرة إلى ذلك من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ، أي : لا بدل فيه ، وذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل ولا خلة أي ليس خليل ينفع في ذلك اليوم ولا شفاعة للكافرين ، والكافرون هم الظالمون لأنهم وضعوا العبادة في غير
عمدة القاري — صفحة 279 | العيني