تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
والقليل بالجر عطف على قوله : ( بشق تمرة ) ، من عطف العام على الخاص ، والتقدير : اتقوا النار ولو بالقليل من الصدقة والقليل يشمل شق التمرة وغيره . * ( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وتَثْبِيتا مِنْ أنْفُسِهِمْ ) * ( البقرة : 562 ) . الآية وَإلَى قَوْلِهِ * ( ومِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) * ( البقرة : 662 ) . ذكر هذه الآية الكريمة لاشتمالها على قليل النفقة وكثيرها . لأن قوله : * ( أموالهم ) * ( البقرة : 562 ) . يتناول القليل والكثير ، وفيها حث على الصدقة مطلقا ، فذكرها يناسب التبويب ، وهذا مثل للمؤمنين الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله عنهم ، والابتغاء : الطلب . قوله : * ( وتثبيتا ) * ( البقرة : 562 ) . عطف على * ( ابتغاء مرضات الله ) * ( البقرة : 562 ) . والتقدير : مبتغين ومتثبتين من أنفسهم بالإخلاص ، وذلك ببذل المال الذي هو شقيق الروح ، وبذله أشق شيء على النفس على سائر العبادات الشاقة ، وكأن إنفاق المال تثبيتا لها على الإيمان واليقين . وقال الزمخشري : ويحتمل أن يكون المعنى : وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه ، وتعضده قراءة مجاهد : وتثبتا من أنفسهم . وقال الشعبي : تثبيتا من أنفسهم أي : تصديقا أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء ، وكذا قاله قتادة وأبو صالح وابن زيد . وقال مجاهد والحسن : أي يثبتون أين يضعون صدقاتهم . وقال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإن كان لله أمضى وإلاَّ ترك . قوله : ( الآية ) أي إلى آخر الآية . وهو قوله : * ( كمثل حبة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ) * ( البقر : 562 ) . قوله : * ( كمثل حبة ) * ( البقرة : 562 ) . خبر المبتدأ أعني قوله : * ( مثل الذين ينفقون ) * ( البقرة : 562 ) . أي : كمثل بستان كائن بربوة ، وهي عند الجمهور : المكان المرتفع المستوي من الأرض ، وزاد ابن عباس والضحاك : وتجري فيه الأنهار . قال ابن جرير : وفي الربوة ثلاث لغات من ثلاث قراآت ، بضم الراء وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق ، وفتحها ، وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة ، ويقال إنها لغة بني تميم ، وكسر الراء ويذكر أنها قراءة ابن عباس . وإنما سميت بذلك لأنها ربت وغلظت من قولهم : ربا الشيء يربو إذا زاد وانتفخ . وإنما خص الربوة لأن شجرها أزكى وأحسن ثمرا . قوله : * ( أصابها وابل ) * ( البقرة : 562 ) . أي : مطر عظيم القطر شديد ، وهي في محل الجر لأنها صفة ربوة . قوله : * ( فآتت أكلها ) * ( البقرة : 562 ) . أي : ثمرها : * ( ضعفين ) * ( البقرة : 562 ) . أي : مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل ، ويقال : أي مضاعفا تحمل من السنة ما يحمل غيرها من السنتين . قوله : * ( فإن لم يصبها ) * ( البقرة : 562 ) . أي : تلك الجنة التي بالربوة * ( وابلٌ فطلٌّ ) * ( البقرة : 562 ) . أي : فالذي يصيبها طلُّ وهو أضعف المطر . وقال الزجاج : هو المطر الدائم الصغار القطر الذي لا يكاد يسيل منه المثاعب ، وقيل : الطل هو الندى : وقال زيد بن أسلم : هي أرض مصر ، فإن لم يصبها وابل زكت وإن أصابها أضعفت ، أي : هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدا لأنها إن لم يصبها وابل فطلٌّ أيا ما كان ، فهو كفايتها ، وكذلك عمل المؤمنين لا يبور أبدا بل يتقبله الله منه ويكثره وينميه لكل عامل بحسبه ، ولهذا قال : * ( والله بما تعملون بصير ) * ( البقرة : 562 ) . أي : لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء . قوله : ( وإلى قوله : * ( من كل الثمرات ) * ( البقرة : 662 ) . إلى آخره ، وهو قوله تعالى : * ( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات ) * ( البقرة : 662 ) . روى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ، قال : ضرب الله مثلاً حسنا ، وكل أمثاله حسن ، قال : * ( أيود أحدكم . . ) * ( البقرة : 662 ) . إلى آخره ، وقال بعض المفسرين . قوله : * ( أيود أحدكم ) * ( البقرة : 662 ) . متصل بقوله : * ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) * ( البقرة : 462 ) . وإنما قال : * ( جنة من نخيل وأعناب ) * ( البقرة : 662 ) . لأن النخيل والأعناب لما كانت من أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر ، ولفظ : نخيل : جمع نادر ، وقيل : هو جنس ، وتمام الآية : * ( وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) * ( البقرة : 662 ) . قال الزمخشري : الهزة في : أيود ، للإنكار . قوله : * ( وأصابه الكبر ) * ( البقرة : 662 ) . الوا فيه للحال : * ( وله ذرية ضعفاء ) * ( البقرة : 662 ) . وقرئ : ضعاف . قوله : * ( إعصارا ) * ( البقرة : 662 ) . هو الريح التي تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود ، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله ، فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار ، فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم ومنتعشهم ، فهلكت بالصاعقة . قوله : * ( كذلك يبين الله لكم الآيات ) * ( البقرة : 662 ) . يعني : كما بين هذه الأمثال : * ( لعلكم تتفكرون ) * ( البقرة : 662 ) . بهذه الأمثال وتعتبرون بها وتنزلونها على المراد منها ، كما قال تعالى : * ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاَّ العالمون ) * ( العنكبوت : 34 ) .