عليه الصلاة والسلام ، على النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا مكلفا بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لا بأصل الصلاة ، وأقوى الروايتين فتح التاء ، يعني : أن الذي أمرت به من الصلاة البارحة مجملاً ، هذا تفسيره اليوم مفصلاً . قلت : فعلى هذا الوجه يكون الخطاب من جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأما وجه الضم : فهو أن جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، يخبر عن نفسه أنه أمر به هكذا ، فعلى الوجهين الضمير المرفوع في قوله : ثم قال : يرجع إلى جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، ومن قال في وجه الضم : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أخبر عن نفسه أنه أمر به ، هكذا ، وأن الضمير في : قال ، يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقدأُبعد ، وإن كان التركيب يقتضي هذا أيضا . قوله : ( إعلم ما تحدث به ) ، بصيغة الأمر ، تنبيه من عمر بن عبد العزيز لعروة على إنكاره إياه . وقال القرطبي : ظاهره الإنكار لأنه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، إما لأنه لم يبلغه ، أو بلغه فنسيه ، والأولى عندي أن حجة عروة عليه إنما هي فيما رواه عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وذكر له حديث جبريل موطئا له ومعلما له بأن الأوقات ( إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، عليها . قوله : ( أو أن جبريل ) قال السفاقسي : الهمزة حرف الاستفهام دخلت على : الواو ، فكان ذلك تقديرا . وقال النووي : الواو ، مفتوحة ، وأن ههنا تفتح وتكسر ، وقال صاحب ( الاقتضاب ) كسر الهمزة أظهر لأنه استفهام مستأنف إلاَّ أنه ورد : بالواو ، والفتح على تقدير : أو علمت أو حدثت أن جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، نزل ؟ قلت : لم يذكر أحد منهم أنَّ : الواو ، أي : واو هي ، وهي : واو ، العطف على ما ذكره بعضهم ، ولكنه قال : والعطف على شيء مقدر ، ولم يبين ما هو المقدر . قوله : ( وقت الصلاة ) بإفراد الوقت في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي : وقوت الصلاة ، بلفظ الجمع . قوله : ( قال عروة ) ، قال الكرماني : هذا إما مقول ابن شهاب أو تعليق من البخاري . قلت : فكيف يكون تعليقا وقد ذكره مسندا عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ، كما سيأتي في باب وقت العصر ، فحينئذ يكون مقول ابن شهاب ؟ قوله : ( في حجرتها ) ، قال ابن سيده : الحجرة من البيوت معروفة ، وقد سميت بذلك لمنعها الداخل من الوصول إليها ، يقال : استحجر القوم واحتجروا : اتخذوا حجرة ، وفي ( المنتهى ) و ( الصحاح ) : الحجرة حظيرة الإبل ، ومنه حجرة الدار . تقول : احتجرت حجرة أي : اتخذتها ، والجمع : حجر مثل غرفة وغرف وحجرات بضم الجيم . قوله : ( أن تظهر ) ذكر في ( الموعب ) : يقال : ظهر فلان السطح إذا علاه ، وعن الزجاج في قوله تعالى * ( فما استطاعوا أن يظهروه ) * ( الكهف : 97 ) أي : ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وإملاسه ، وفي ( المنتهى ) : ظهرت البيت علوته ، وأظهرت بفلان : أعليت به ، وفي كتاب ابن التين وغيره : ظهر الرجل فوق السطح إذا علا فوقه ، قيل : وإنما قيل له كذلك لأنه إذا علا فوقه فقد ظهر شخصه لمن تأمله ، وقيل : معناه أن يخرج الظل من قاعة حجرتها فيذهب ، وكل شيء خرج فقد ظهر ، والتفسير الأول أقرب وأليق بظاهر الحديث ، لأن الضمير في قوله : ( تظهر ) إنما هو راجع إلى : الشمس ، ولم يتقدم للظل ذكر في الحديث ، وسنستوفي الكلام في حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، عن قريب في باب وقت العصر ، إن شاء الله .
ذكر ما يستنبط منه وهو على وجوه : الأول : فيه دليل على أن وقت الصلاة من فرائضها وأنها لا تجزي ، قبل وقتها ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلاَّ شيء روي عن أبي موسى الأشعري ، وعن بعض التابعين : أجمع العلماء على خلافه ولا وجه لذكره ههنا لأنه لا يصح عنهم وصح عن أبي موسى خلافه مما وافق الجماعة فصار اتفاقا صحيحا . الثاني : فيه المبادرة بالصلاة في أول وقتها وهذا هو الأصل وأن روي : الإبراد بالظهر والإسفار بالفجر بالأحاديث الصحيحة . الثالث : فيه دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف السنة . الرابع : فيه جواز مراجعة العالم لطلب البيان والرجوع عند التنازع إلى السنة . الخامس : فيه أن الحجة في الحديث المسند دون المقطوع ، ولذلك لم يقنع عمر به ، فلما أسند إلى بشير بن أبي مسعود قنع به . السادس : استدل به قوم منهم ابن العربي على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس قلت : هذا استدلال غير صحيح ، لأن جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، كان مكلفا بتبليغ تلك الصلاة ولم يكن متنفلاً ، فتكون صلاة مفترض خلف مفترض . وقال عياض : يحتمل أن لا تكون تلك الصلاة واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ، ورد بأنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة ، واعترض عليه باحتمال
عمدة القاري — صفحة 5
مساهمون: العيني
ص٥