545 حدَّثنا قُتَيْبَةُ قالَ حدَّثنااللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلَّى العَصْرَ والشَّمْسُ في حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ منْ حُجْرَتِهَا . .
قتيبة هو ابن سعيد ، والليث بن سعد ، وأبن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، وعروة بن الزبير ، كلهم قد ذكروا غير مرة .
وفيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والعنعنة في ثلاثة مواضع ، ورواته ما بين بلخي وبصري ومدني .
قوله : ( والشمس في حجرتها ) أي : باقية ، و : الواو ، فيه للحال . قوله : ( لم يظهر الفيء ) أي : الظل ، في الموضع الذي كانت الشمس فيه ، وقد مر في باب المواقيت والشمس في حجرتها قبل أن تظهر ، ومعنى الظهور هنا الصعود . يقال : ظهرت على الشيء إذا علوته ، وحجرة عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، كانت ضيقة الرقعة ، والشمس تقلص عنها سريعا ، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العصر قبل أن تصعد الشمس عنها . فإن قلت : ما المراد بظهور الشمس وبظهور الفيء ؟ قلت : المراد بظهور الشمس : خروجها من الحجرة ، وبظهور الفيء : انبساطه في الحجرة ، وليس بين الروايتين اختلاف ، لأن انبساط الفيء لا يكون ، إلاَّ بعد خروج الشمس ، واستدل به الشافعي ومن تبعه على تعجيل صلاة العصر في أول وقتها . وقال الطحاوي : لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار ، فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلاَّ بقرب غروبها ، فيدل على التأخير لا على التعجيل . وقال بعضهم : وتعقب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة ، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن متسعة ، ولا يكون ضوء الشمس باقيا في قعر الحجرة الصغيرة إلاَّ والشمس قائمة مرتفعة ، وإلاَّ متى مالت جدا ارتفع ضوؤها عن قاع الحجرة ، ولو كانت الجدر قصيرة . قلت : لا وجه للتعقب فيه لأن الشمس لا تحتجب عن الحجرة القصيرة الجدار إلاَّ بقرب غروبها ، وهذا يعلم بالمشاهدة ، فلا يحتاج إلى المكابرة ، ولا دخل هنا لاتساع الحجرة ولا لضيقها ، وإنما الكلام في قصر جدرها ، وبالنظر على هذا فالحديث حجة على من يرى تعجيل العصر في أول وقتها . فإن قلت : عقد البخاري بابا لوقت العصر وذكر فيه أحاديث لا يدل واحد منها على أن أول وقته بماذا يكون ؟ بصيرورة ظل كل شيء مثله أو مثليه ؟ قلت : قال بعضهم : لم يقع له حديث في شرطه على تعيين ذلك ، فذكر الأحاديث المذكورة الدالة على ذلك بطريق الاستنباط قلت : لا يلزم من عدم وقوعه له أن لا يقع لغيره في تعيين ذلك .
وقد روى جماعة من الصحابة في هذا الباب ، منهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمني جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، عند البيت مرتين . . . ) الحديث . وفيه : ( صلى بي العصر حين كان ظله مثله ) . هذا في المرة الأولى ، وقال في الثانية : ( وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه ) . أخرجه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن . وأخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم في ( مستدركه ) وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ورواه ابن خزيمة في صحيحه ، وقال ابن عبد البر في ( التمهيد ) : وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له ، ورواته كلهم مشهورون بالعلم . قلت : هذا الحديث هو العمدة في هذا الباب . وقوله : ( حين كان ظله مثليه ) ، بالتثنية ، وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة ، لأن عنده : إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال يخرج وقت الظهر ، ويدخل وقت العصر ، وعند أبي يوسف ومحمد : إذا صار ظل كل شيء مثله يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر ، وهي رواية الحسن بن زياد عنه ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والثوري وإسحاق ، ولكن قال الشافعي : آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه لمن ليس له عذر ، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشمس . وقال القرطبي : خالف الناس كلهم أبا حنيفة فيما قاله حتى أصحابه . قلت : إذا كان استدلال أبي حنيفة بالحديث فما يضره مخالفة الناس له ، ويؤيده ما قاله أبو حنيفة حديث علي بن شيبان ، قال : ( قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية ) . رواه أبو داود وابن ماجة ، وهذا يدل على أنه كان يصلي العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه ، وهو حجة على خصمه . وحديث جابر : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر حين صار ظل كل شيء مثليه قدر ما يسير الراكب إلى ذي الحليفة العنق ) ، رواه ابن أبي شيبة بسند لا بأس به .
عمدة القاري — صفحة 33
مساهمون: العيني
ص٣٣