تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
هذا لورود الوعيد الشديد في ذلك . قيل : الإنكار قد يقع على ترك السنة فلا يدل ذلك على حصول الإثم . قلت : الإنكار يستلزم المنكر وفاعل المنكر آثم ، على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتسوية . والأصل في الأمر الوجوب إلاَّ إذا دلت قرينة على غيره ، ومع ورود الوعيد على تركها وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من إقامة الصفوف ، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم . وقال بعضهم : وهو ضعيف لأنه يفضي إلى أنه لا يبقى شيء مسنون لأن التأثيم إنما يحصل من ترك واجب . قلت : قول هذا القائل ضعيف ، بل هو كلام الفساد لأنا لا نسلم إن حصول التأثيم منحصر على ترك الواجب ، بل التأثيم يحصل أيضا عن ترك السنة ، ولا سيما إذا كانت مؤكدة ، ومع القوم بوجوب التسوية فتركها لا يضر صلاته لأنها خارجة عن حقيقة الصلاة ، ألا ترى أن أنسا ، مع إنكاره عليهم ، لم يأمرهم بإعادة الصلاة ، ولا يعتبر ما ذهب إليه ابن حزم من بطلان صلاته مستدلاً بما صح عن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف ، وبما صح عن سويد ابن غفلة قال : كان بلال يسوي مناكبنا ويضرب أقدامنا في الصلاة ، فقال ابن حزم : ما كان عمر وبلال يضربان أحدا على ترك غير الواجب . قال بعضهم : فيه نظر لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة قلت : في هذا النظر نظر ، لأن قائله قد ناقض في قوله حيث قال ، فيما مر عن قريب : التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب ، فإذا لم يكن تارك السنة آثما فكيف يستحق التعزير ؟ بل الظاهر أن ضربهما كان لترك الأمر الذي ظاهره الوجوب ، ولاستحقاق الوعيد الشديد في الترك . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : معاذ ، بضم الميم : ابن أسد أبو عبد الله المروزي نزل البصرة . الثاني : الفضل بن موسى المروزي السيناني ، بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى : نسبة إلى سينان ، قرية من قرى مرو ، مات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة . الثالث : سعيد بن عبيد الطائي أبو الهذيل الكوفي . الرابع : بشير ، بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء : ابن يسار ، بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة وبعد الألف راء : المدني مولى الأنصار . الخامس : أنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف أسناده : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين . وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : أن شيخ البخاري من أفراده . وفيه : بشير المذكور ليس له في الكتب الستة عن أنس غير هذا الحديث . والحديث أخرجه أيضا من أفراد البخاري . وفيه : أن رواته ما بين مروزي وكوفي ومدني ، وتابع الفضل أبو معاوية وإسحاق الأزرقي عن سعيد ، كما أخرجه الإسماعيلي عنهما . ذكر معناه : قوله : ( أنه قدم المدينة ) ، أي : من بصرة . قوله : ( ما أنكرت ) ، أي : أي شيء أنكرت منا منذ يوم عهدت ؟ وقد علمت أن : منذ ومذ ، حرفا جر ، وهو الصحيح . وقيل : إسمان مضافان ، فيكون بمعنى : من ، إن كان الزمان ماضيا وبمعنى : في ، إن كان حاضرا ، وبمعنى : من وإلى جميعا ، إن كان معدودا نحو : ما رأيته منذ يوم الخميس أو منذ يومنا أو عامنا أو منذ ثلاثة أيام ، والمعنى ههنا : ما أنكرت منا من يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والمذكور في المتن رواية الكشميهني والمستملي ، وفي رواية غيرهما : ( ما أنكرت منذ يوم عهدت ؟ ) بغير لفظ منا . قوله : ( ما أنكرت شيئا . . . ) إلى آخره ، يدل على أن إنكاره على ترك الواجب أو السنة المؤكدة ، فلذلك بوب البخاري بالترجمة المذكورة . وقال عُقْبَةُ بنُ عُبَيْدٍ عَنْ بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ قَدِمَ عَلَيْنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ المَدِينَةَ بهذا عقبة ، بضم العين المهملة وسكون القاف : أخو سعيد بن عبيد ، راوي الإسناد الذي قبله ، وليس للبخاري عن عقبة إلاَّ هذا المعلق ، ويكنى عقبة بأبي الرحال ، بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة ، وقد وصل هذا المعلق أبو نعيم الحافظ عن أبي بكر بن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه ، قال : حدثنا أبو معاوية ويحيى بن سعيد ، قالا : حدثنا عقبة بن عبيد فذكره ووصله أحمد أيضا في مسنده عن يحيى القطان عن عقبة بن عبيد الطائي ، حدثني بشير بن يسار ، قال : ( جاء أنس إلى المدينة فقلنا : ما أنكرت منا من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ما أنكرت منكم شيئا غير أنكم لا تقيمون الصفوف ) . وهذه المقدمة لأنس غير المقدمة التي تقدم ذكرها في : باب وقت العصر ، فإن ظاهر الحديث فيها أنه أنكر تأخير الظهر إلى أول وقت العصر ، وهذا الإنكار أيضا غير الإنكار الذي تقدم ذكره في : باب تضييع الصلاة عن وقتها ، حيث قال : لا أعرف شيئا مما كان